استدعاء - سنابل القلم
سنابل

سنابل القلم » " سنابل وطنية " : مقالات أخرى » استدعاء

 استدعاء  أضيف في: 10/05/2009
استدعــــاء

1

منذ سنوات خلت، وفي ليلة من ليالي رمضان المباركة، وبمنزلي الكائن بمدينة رأس لانوف. رن جرس الهاتف ، فأسرعت إليه، كي لا يوقظ بصوته المزعج بقية أفراد أسرتي. كانت الساعة تشير إلى الثانية بعد منتصف الليل، وكان على الطرف الآخر من الهاتف مركز الشرطة!!!

- هل أنت فلان .. ؟
- نعم أنا فلان .
- معك مركز الشرطة .
- مركز الشرطة !!! خيراً إن شاء الله .
- هناك أمر هام يستدعي حضورك إلى هنا فوراً .
- أمر هام .. وفي هذه الساعة المتأخرة من الليل !!!
- نعم .. يجب أن تحضر حالاً .
- ألا يمكن تأجيل حضوري إلى الغد صباحا .. ؟
- لا، لا يمكننا ذلك. اسمع إذا تأخرت، فإننا سنضطر إلى إرسال سيارة الشرطة لإحضارك .
- ولكن ماذا هناك .. أعني ماذا فعلت .. ؟
- فقط تعال إلى هنا وستعرف كل شي .
- حسنا. لن أتأخر كثيرا. أرجوكم لا ترسلوا سيارة الشرطة لإحضاري .. مسافة الطريق لا غيــر.

وضعت السماعة، ووقفت للحظات واجماً مرتبكاً ومفكراً. استعرضت خلالها شريط حياتي كلها، فلم أجد ثمة سبب مقنع يستدعي ذهابي إلى مركز الشرطة، وفي هذه الساعة المتأخرة من الليل. قلت محدثا نفسي: لعله مقلب سمج وثقيل حاكه أحد الأصدقاء كي يحدث به الآخرين، وقد يكون هناك في انتظاري عند مركز الشرطة.

لكنني عدلت عن ذلك بقولي : لا .. لا يمكن لأحد من أصدقائي أن يفعل ذلك. لكن ماذا لو كانت الشرطة بالفعل في انتظاري. علي إذن أن أسرع بالذهاب إليهم. نعم ذلك أفضل من أن يحضروا للقبض علي كمجرم محترف، وقد يراهم أحد الجيران ويحدث عني صباحا كل من يقابله. نعم مهما يكن من أمر، يجب أن أسرع بالذهاب إليهم.

أفقت من شرودي عاقدا العزم على الذهاب. ارتديت ملابسي بالسرعة الممكنة، وخرجت متوجها إلى مركز الشرطة.

2


هناك في مركز الشرطة وقفت لاهثا مرتبكا. كانوا ثلاثة يشاهدون التلفاز. قدمت لهم نفسي قائـــلا :

ــ أنا فلان هل اتصلتم بي منذ قليل .. ؟
ــ نعم .. اتصلنا بك .
ــ هل لي أن أعرف السبب .. ؟
ــ أنت مطلوب من قبل نيابة بن جواد .
ــ نيابة بن جواد .. ولكن ماذا فعلت .. هل من توضيح أكثر .. ؟
ــ هل تعرف ضابط اتصال شركة شمال أفريقيا .. ؟
ــ لا علاقة لي بشركة شمال أفريقيا ، ولا بضابط اتصالها .. صدقوني أنا لا أعرف حتى اسمــه .
ــ هل أتعرف منزله .. ؟
ــ قلت لكم أنا لا أعرفه .. ولا أعرف أسمه ولا منزله .. ولا علاقة لي به ولا بشركته .
ــ تقول إنك لا تعرفه ، ولا علاقة لك به .
ــ نعم أقول ذلك .
ــ هو أيضاً مطلوب من قبل نيابة بن جواد .
ــ ولكن هل بإمكاني معرفة السبب .. ؟
ــ هذا ليس من اختصاصنا .. اذهب إلى النيابة صباحا، وستعرف هناك كل شئ .
ــ حسنا .. وهل تسمحون لي بالذهاب الآن إلى منزلي .
ــ نعم .. مع السلامة .

3


تلك الليلة لم يغمض لي جفن مفكرا وحائرا لمعرفة السبب، وصباحا غادرت منزلي، متوجها إلى مدينة بن جواد. وصلتها حوالي الساعة التاسعة. سألت أول من قابلني عن مقر النيابة، ومن ثم توجهت إليها مباشرة. لم أجد أحدا هناك في انتظاري. مرت اللحظات والدقائق ثقيلة ومملة. تضرعت خلالها إلى الله تعالى كي يجعل عاقبة هذا الأمر خيرا. سرح تفكيري مع كل شاردة وواردة. قلبت الأمور من جميع الوجوه، فقط لمعرفة الحقيقة، لكن دون جدوى. وأخيرا وعند حوالي الساعة العاشرة والنصف تقريبا، سمعت من ينادي علي. كان ثمة شخص يجلس بمفرده بالمكتب المقابل لمكان جلوسي. دخلت عليه أكاد أتعثر في خطاي.

ــ هل أنت فلان .. ؟
ــ نعم .
ــ تفضل بالجلوس .
ــ شكرا .

كان يطالع ملفا به عدد قليل من الأوراق. سكت قليلا ثم رفع رأسه ونظر إلي وهو يقول :

ــ قل أقسم بالله العظيم أن أقول الحق ولا شئ غير الحق .
ــ ولكن .. لماذا .. هل بإمكاني معرفة السبب أولا .. ؟
ــ أحيل إلينا هذا الملف من مركز شرطة رأس لانوف
ــ شرطة رأس لانوف !!! اللهم اجعله خيرا .
ــ بخصوص سيارتك .
ــ سيارتي .. ‍‍!!! أية سيارتي تعني .. ؟
ــ ألم تبلغ منذ مدة عن تعرض سيارتك إلى محاولة سرقة أدت إلى اشتعال النار فيها واحتراقها.
ــ نعم كان هذا منذ مدة طويلة حتى أنني نسيت الحادثة تماما. الحمد لله .. وجدتم الفاعل إذن .. هل هو ضابط اتصال شركة شمال أفريقيا .

" ضحك ثم قال "


ــ للأسف لم نجد الجاني .. إننا فقط نريد أن نغلق الملف .
ــ تغلقون الملف .. فقط .. !!! وما علاقتي إذن بضابط اتصال شركة شمال أفريقيا.
ــ لا علاقة لك به .. هذا موضوع آخر .. لديه قضية أخرى .. قل أقسم بالله العظيم.
ــ أنا لست متهما .. لماذا هذا القسم .. ؟
ــ يجب علينا إعادة التحقيق من جديد، قبل إغلاق الملف .
ــ هكذا إذن .. كل هذه المتاعب وفي هذا الشهر المبارك .. فقط كي تغلقون الملف .
ــ قل أقسم بالله العظيم أن أقول الحق .
ــ وإذا قلت لكم .. إنني لم أعد أرغب في معرفة الجاني .
ــ الأمر لدينا سواء .. رغبت أم لم ترغب في معرفة الجاني .. يتوجب علينا إغلاق الملف
ــ أنا أقترح عليكم ألا تتعبوا أنفسكم، بإغلاق ملفكم الذي لم يفتح أصلا .
ــ ماذا تقول .. ؟
ــ أقول إنني لم أعد أرغب في معرفة الجاني .
ــ المهم عندنا كما قلت لك، هو إغلاق الملف. ثم من الذي أخبرك بأن ملف القضية لم يفتح؟
ــ لاحظت ذلك بنفسي .. أعني أن المحقق لم يقم بمعاينة السيارة .. وأخذ بصمات الجاني.
ــ قد تكون لديك أقوال أخرى تريد ذكرها الآن .
ــ لا ليست لدي أقوال أخرى غير تلك التي ذكرتها في التحقيق الأول .
ــ أتسمح لي بالذهاب الآن .
ــ مع السلامة .

وخرجت من عنده وقد اعتملت في نفسي، مشاعر متباينة من الفرح والترح، من الرضى والغضب، من الضحك والبكاء :

فاعذروني أيها السادة
إن كنت ضحكت
كان في نيتي أن أبكي
ولكني ضحكت *





هامش :
ــــــــــــــــــــــــــــــ
* مقطع من قصيدة الخطاب : لنزار قباني
خيارات الموضوع : ارسل الموضوع لصديق ارسل الموضوع لصديق  طباعة الموضوع طباعة الموضوع  حفظ الموضوع كملف Word حفظ الموضوع كملف Word 

التعليقات
لا يـوجـد تـعليـقات على هـذا الـموضوع




POWERED BY: SaphpLesson 4.0