حوار في حافلة ربع - سنابل القلم
سنابل

سنابل القلم » " سنابل وطنية " : مقالات أخرى » حوار في حافلة ربع

 حوار في حافلة ربع  أضيف في: 10/05/2009
حوار في حافلة ربع


1

حافلات الربع كما يسمونها، مركوب من لا مركوب له ، ووسيلة نقل لمن لا وسيلة له.. إلا أنها وفي غياب الحافلات العامة التي طال انتظارها ، ورغم كونها مزعجة ورديئة ولا تليق بالمقام، تعد الوسيلة الوحيدة والمفضلة للفقراء والمعوزين ، ممن لا يستطيعون شراء مركوب خاص ، ولم يسعفهم الحظ في الحصول على مركوب عام ، يستخدمونه لأغراضهم الخاصة.

" والعبد لله " من هذه الشريحة التي ذكرت، ممن ينتظرها بفارغ الصبر، ويستقلها كغيره مرغما، ومكتوب على جبينه " مكره أخاك لا بطل " .

وأخيرا وصلت الحافلة، غير أنها وقفت بعيدة عنا، إما لسوء تقدير السائق، أو لرداءة الفرامل. هرول الشباب إليها مسرعين، وتراكض البقية نحوها الأسرع فالأقل سرعة.

قال أحد المسنين فيما كان يركض جهد طاقته : اجروا التالي ما يلحق .
خاطبه أحدهم بقوله : وهل تريد منهم أن يسيروا خلفك بسرعة السلحفاة ؟
فرد آخر بقوله : وهل تتوقع غير ذلك من ( رفاق في حافلة ربع ) ..؟
فرد المسن بقوله : الحمد لله الذي أحياني حتى رأيت من هم أسوأ من حمير الفندق ، التي يضرب بها المثل في التمرد وسوء الخلق .

2

استوى الجميع بداخلها .. جلس من جلس بلا نظام وبلا اكتراث وبلا أدب، ووقف من وقف بصمت وامتعاض.
وبعينيين يتطاير منهما الشرر، نظر السائق إلى من كان يقف بمحاذاة الباب قائلا: أنت يا خويا سكـّر الباب.
علق أحدهم على ذلك بقوله : عليك منطق .. ليش ما يقول : من فضلك أو لو سمحت .
قال الذي في جواره : خليها ساكته .

لكن صاحبنا لم يدعها تسكت. يبدو أنه أراد أن يستغل صوت المسجل الذي كان يصم الآذان بأغنية خليعة، فقال موضحا: القيادة كما يقولون: فن وذوق وأخلاق، وهذا السائق لا يملك واحدة منها.
قال الآخر متسائلا : وكيف عرفت ذلك .. ؟
أجابه : أما فيما يخص فن القيادة، فقد عرفناه من تهوره وطيشه، وفيما يخص الذوق فهذا الذي رأيت، وما خفي كان أعظم، وسكت مفكرا في الثالثة.
فأكمل آخر بقوله : وأما فيما يخص الأخلاق، فحدث ولا حرج، منها – على سبيل المثال – هذه الأغنية الخليعة التي يخجل حتى الشيطان من سماعها، ولا يخجل هذا السائق من ترديدها مع المسجل على مسمع مرأى من الجميع.
وافقه آخر بقوله : صدقت، لو كان يملك ذرة من ذوق أو قليلا من أخلاق، لأدرك أن من بين ركابه الأب والأم والأخ والأخت وغيرهم.
فعلق آخر بسخرية أضحكت الجميع : إن كان ( المرور ) لا يدري فتلك مصبية، وإن كان يدري فالمصيبة أعظم.

3

وفي تلك اللحظة بالذات، كانت حافلتنا ( المجلجلة ) قد وصلت المكان الذي أريد، فخاطبت السائق بأعلى صوتي قائلا: هنا يا سواق .. غير أنه لم يسمعني.
فقال جاري : هنا يا خويا .. فلم يسمعه، فتكرم آخر، وكان يجلس على مقربة منه: هنا يا سيد .. هنا يا مدير.
فرد السائق غاضبا : " باهي .. باهي .. شنو ها لحصلة " .
وقد تعمدت ألا أقول له : من فضلك أو حتى : لو سمحت .. لأنه أكثر من ذلك لا يستحق .
مع الاعتذار سلفا للقليل منهم .. ممن ليسوا منهم.

هامش :
ــــــــــــــــــــــــــ
* نشر بمجلة ( لا ) / العدد : 86 - 07/1999
خيارات الموضوع : ارسل الموضوع لصديق ارسل الموضوع لصديق  طباعة الموضوع طباعة الموضوع  حفظ الموضوع كملف Word حفظ الموضوع كملف Word 

التعليقات
لا يـوجـد تـعليـقات على هـذا الـموضوع




POWERED BY: SaphpLesson 4.0