منهجية الصراع - سنابل القلم
سنابل

سنابل القلم » على ذات الطريق » منهجية الصراع

 منهجية الصراع  أضيف في: 10/05/2009
منهجية الصراع


ثمة مفارقه عجيبة تكشف للمتأمل الوجه الحقيقي لهذا الوضع الحضاري الراهن إن لم تنقض فكرة التقدم البشرى في جوهرها ، وتدعم في نفس الوقت وجهة النظر القرآنية التي تعارض بشدة هذا الإنشطار المميت بين ظواهر الحياة المادية وباطن الإنسان المعنوي .
إن تدهور إنسانية الإنسان وإهدار طاقاته وتبذير قواه وتضاعف حيرته ، واستفحال قلقه واضطرابه وتقليص قدراته الروحية والخلقية ، مقابل تقدمه العلمي والتقني وسيطرته علي موارد الطبيعية وتسخير كل طاقاته وقواه لخدمة غاياته وأهدافه.
فلماذا إذن يصبح تقدم الإنسان العلمي والمادي سببا في تدهور إنسانيته وبعده عن حقيقة نفسه وعن تكامل قواه وتوحيد كيانه الذي عليه يعتمد التقدم الحقيقي في حياة البشر .
كيف يكون التقدم سببا في إهدار قوى الإنسان الفاعلة وتبديد طاقاته المبدعة .. لماذا كلما ازداد الإنسان في تقدمه وازدادت معارفه وتضاعفت قدراته .. ازداد في المقابل هبوطا وانحدارا وابتعادا عن إنسانيته وعن حقيقة نفسه وغاية وجوده الإنساني .
ذلك كله لا نسوقه من عند أنفسنا بل هو ما نشاهده ونلاحظه في مجتمعات حضارة الاستهلاك الراهن التي كتب عنها الأستاذ : محمد أبو القاسم حاج حمد في كتابه الرائع " العالمية الإسلامية الثانية " وذلك في أجمل ما يمكن أن يقال عنها :
" هذه هي الحضارة التي تقدم " فاوست " حاملا راياتها الملطخة بالدماء ، والمرفرفة عبر غيوم المنفعة واللذة والبقاء للأصلح والتضاد والصراع ... قادها فدك الملايين في فيتنام وكمبوديا ولاوس ، ومن قبل أستأصل الأعراق القديمة في أمريكا الشمالية والجنوبية ، وغذى أسماك القرش في المحيط الأطلس ، بملايين الأطنان من اللحوم السوداء التي أثقلت سفنه .. وصعد تجار الأسلحة والدمار إلي قمة هرمه الاقتصادي والسياسي ، وتلاعب ويتلاعب بأسعار المواد الخام ، مائلا بحدود التبادل التجاري مع الشعوب المتخلفة لمصلحته دوما وأبدا .. وزاد عل ذلك التحرش بهذه الشعوب نفسها ثم صدر إليها المرتزقة .. أما هناك فقد امتلأت الشوارع ببقايا مخابيل فيتنام ، تفترسهم صرعات المارجوانا والهيروبين .
وهكذا يتحول التطور نفسه بكامل منجزاته عبر روحية الصراع ، ليكون حكرا على طبقة بعينها ، طبقة الرأ سمالية ، علاقاتها مع نفسها علاقات صراع وتنابذ ، وعلاقاتها مع كونها علاقة غزو وسرقة ، وعلاقاتها مع غيرها علاقات استغلال وقهر ، وحمية عرقية جوفاء .. فمن أين يأتيها السلام .. ؟ وكيف يكون في الأرض السلام ، حين لا تكون في الناس المسرة .. ؟
في عيد الميلاد تمتد قنابل بلفاست إلي أحياء " لندنبري " وتتعالي صيحات الزنوج في هارلم وتزكم الأنوف فضائح " لوكهيد " التي تسمي الرشوة عمولة والإفساد علاقات عامة .
ويحتسي الـ " سي آي أي " نخب القضاء علي الـ " كي جي ي " ، وتلغى أفلام جيمس بوند علي الشاشات الصغيرة والكبير ، لتتلوها أفلام الجرائم الحضارية المعقدة ، ورحل البوليس الخارق .
هذه الأفلام في كثافتها موضوعاتها ، تعكس فقدان هذه الشعوب للأمن حتى في حياتها الخاصة ، يصبح الكأس ضرورة لإنعاش النفس ، وطرد السأم عن الشعور ، ويفقد الإنسان روح الإثارة الطبيعية فيتحول إلي أفلام الجنس ، بل إلي مشاهده حيث تبتذل المرآة كأسوأ ما يكون الابتذال في سوق اللحم المفضوح .
وتتكشف نظرة الإنسان للكائنات الطبيعية المسخرة له ، عن تصورات مرعبة فتنشأ الديدان وتتكاثر ، لتلتهم قرية أمريكية بمن فيها ، وتهجم الطيور علي طالبات المدرسة الوديعات ، وينفلق البحر عن حوت هائج وعن فك كاسر وتأتي كائنات غريبة من السماء ويصحو عملاق بحري كان في سبات دام ملايين السنين فيحطم مدينة نيويورك . وهناك دور قديمة مسكون بالأشباح .
وهكذا يغطي وجه الشاشة بالصور الإنسانية للحضارة الغريبة .. ليس الأمر من قبيل الخيال وحده ، ولكنها النفس الأوروبية في شعورها بالخوف الذاتي تحيله إلى صور متحركة .. شعور القلق الدائم ، الذي لم يعد يعكس ألام المخاض العبقري ولكن التمزق الداخلي ...
"

ومن العجيب أن هذا الإنسان الذي تخطي مرحلة السحر والخرافة والأسطورة وبلغ بعقله مرحلة متطورة من التقدم في مختلف مجالات الحياة متجاوزا بذلك مزالق الانبهار العاطفي بظواهر الوجود ، وحقق الإنجازات والتقنية مالم تحققه البشرية في كل تاريخها السحيق .
من العجيب أنه رغم كل مكتشفاته الحضارية ومخترعاته الصناعية وأقماره الموجهة لا يزال يعيش بعقلية بدائية تصدق الخرافة وتتخذ من الأسطورة مثلا أعلي للقيم وللحياة ، وهذا ما نراه واضحا في منهاج التربية الغريبة ومناهج الفلسفة وعلم النفس التي تعتمد الأساطير القديمة كمثل عليا تقوم عليها مناهج الإنسان اليوم إنسان الحضارة الصناعية الغريبة .
والأعجب من ذلك أنه عندما يدعي لتحكيم مناهج الدين التي توحد شخصية الإنسان وتلغي الانفصال بين الروح والجسد وتزيل الحواجز بين مثله العليا وواقع المعاش عندما يدعي تحكيمها أو حتى قبولها كحقيقة قابلة للنقاش أو مصدر من مصادر المعرفة ... نراه يعرض عنها إعراضا ويزور ازورارا متحججا بل ومدعيا بأنها تعتمد علي الأسطورة والأسطورة بطبيعتها خرافية لا تصلح ولا تتفق وعقلية إنسان اليوم التي لا تؤمن إلا بالعلم والتجربة والواقع المدرك المشاهد .
ناسيا أو متناسيا كون مناهجه البشرية وحدها هي التي تعتمد الأسطورة وتصدق الأكاذيب والظنون التي ليس لها من اليقين شيء .. فلماذا إذن وهو الذي لا يؤمن إلا بالعلم والتجربة ... لماذا يعتمد إنسان اليوم في علوم النفس علي أراء فرويد المشوهة التي استقاها من أسطورة ( أودين ملكا ) .. ولماذا يعتمد في فلسفة التاريخ علي تقديرات ( توينبي ) وظنونه إذا كان هذا قد استقاها أسطورة مسرحية لسوفوكس .
أليست الإنسانية اليوم أحوج ما تكون إلي ما يحفظ عليها أمنها استقرارها بدل هذا الاندفاع المجنون لإشباع الشهوات والرغبات التحرر من التام من قيود الأديان والأخلاق كما يقولون .
أليست البشرية اليوم بحاجة إلي طوق النجاة الذي يقدمه الإسلام باعتباره منهجا ربانيا لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه .. منهج رب الناس للناس كل الناس ، من وجد منهم ومن سيوجد أيضا .
" وان هذا صراطي مستقيما فاتبعوا ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله "


هامش :
ـــــــــــــــــــــ
1. العالمية الإسلامية الثانية ، محمد ابو القاسم حاج حمد ، ص : 41 – 42 .
خيارات الموضوع : ارسل الموضوع لصديق ارسل الموضوع لصديق  طباعة الموضوع طباعة الموضوع  حفظ الموضوع كملف Word حفظ الموضوع كملف Word 

التعليقات
لا يـوجـد تـعليـقات على هـذا الـموضوع




POWERED BY: SaphpLesson 4.0