
| أضيف في: 10/05/2009 | ||||
|---|---|---|---|---|
نحن هنا ، ومن خلال هذه الحلقة بالذات .. من أجل تبيان التوازن الإنساني ، الذي أراده الله وارتضاه للبشر جميعا ، من وجد منهم ومن سيوجد أيضا .. وطالبهم بالتزامه وعدم الحيدة عنه يمينا أو يسارا علوا أو هبوطا .. ذلك هو صراط الله المستقيم ، الذي يحقق سعادة الدارين وسعادة الإنسان أينما وجد .. ودعا إليه كل الأنبياء والمرسلين ، ودعا إليه محمد عليه السلام من خلال القرآن الذي جاء هدى ورحمة للعالمين : " إِنَّ هَـذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً ". 1 هذا هو الهدي الرباني بين أيدينا ، فلماذا نطلب الهدي في غيره .. إننا إن فعلنا ذلك ، أضلنا الله على علم ، وعن الصراط لناكبون . لهذا كله ، سأعتمد بالدرجة الأولى على القرآن نفسه ، ولا يعنيني من بعده ، أن أخالف ما يغايره ، وما هذا إلا يقينا مطلقا وتصديقا لقوله تعالى : " أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ". 2 لقــد أشار الله سبحانه إلى هذا الهدي ، وحضنا على قبوله والتمسك به ، وذلك منذ أن أزل الشيطان آدم وزوجه فنسيا أمانة ربهما ، وعهده الذي أخذه عليهما ، وفي ذلك يقول سبحانه وتعالى : ". وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَـذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الْظَّالِمِينَ * فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ ". 3 أدرك آدم عظم خطيئته ، وندم عليها ، فغفر له ربه خطيئته وتاب عليه ، وأعاده إلى الجنة التي أخرج منها : " فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ". 4 هذا فيما يتعلق بآدم وبخطيئته التي لم تكن لتغرب عن علم الله ، الذي كان قد قدر لأدم هبوطه إلى الأرض ، ليتولى خلافة ربه في الأرض - وليس في الجنة - وذلك قبل أن يخلق ، وقبل أن ينعم بالجنة وبثمارها : " وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ". 5 وفي قوله تعالى : " إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ " تقرير وتأكيد لقول الملائكة الذين تساءلوا قائلين : " أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء " أي في الأرض . وإذا كان الله تعالى قد غفر لآدم عليه السلام ، وأعاده إلى الجنة التي خرج منها .. فماذا عن بقية الأجيال الإنسانية التي لم تر الجنة ، ولم تكن سببا في خروج آدم منها .. أيتركها الله هكذا ، في مستقرهم الأرضي الجديد .. بلا هدى ، بعضهم لبعضهم عدو .. لا.. إن الله تعالى أعدل من أن يفعل ذلك .. ولو شاء أن يفعله لكان أيضا من العادلين ، بعدما وهبنا نعمة العقل ، التي ميزنا به عن بقية خلقه ، فكنا به عقلاء ندرك ونميز طريق الخير من طريق الشر، وجعل لنا حرية إختيار أحد النجدين ، الموصل إلى الجنة أم الموصل إلى النار . ورغم ذلك فإنه سبحانه ، إزاء هذا الضعف البشر الذي جبل الإنسان عليه ، ورحمة منه بنا ، كان قد تكفل بهدايتنا ، كلما حال الظلم والظلام ، بيننا وبين نوره وهداه .. ولهذا فقد أعقب آية آدم الأنفة الذكر بقوله : " قُلْنَا اهْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ". 6 ومنذ ذلك الوقت منذ آدم عليه السلام ، وإلى يومنا هذا ، لم تتخل السماء عن الأرض ، ولم يترك الإنسان بغيرهدى ، فقد كانت رسل الله تترى من أجل هداية الإنسان الزائغ دوما نهج ربه وهداه . وما أحوجنا اليوم إلى هدي الله ، بعدما شرق الناس وغربوا ، وانحرفوا بإنسانيتهم يمينا تارة وشمالا. من هنا ، لا من هناك .. نعود اليوم لقرآننا المجيد ، في محاولة منا لتحديد التصور الرباني ، لتوازن إنساني كامل وشامل ورفيع ، للوجود .. لغاية الوجود الإنساني بأسره.. ولغاية الوجد كله . توازن نظيف ، يرتفع بالإنسان من درك الحيوانية الهابط .. من مستنقع الشهوانية الآسن .. بالروح التي هي من عند الله ، فيكون خليفة الله في أرضه ، ويسخر له مافي الأرض جميعا . توازن شامل يربط بين القيم كلها في نطاق النفس ، وفي الوجود كل الوجود ، توازن ينبثق من قيم الهدي الرباني ووحيه وهداه ، يوازن بين مكونات الطبيعة والكون وقواه ، فينشأ عند ذلك الشمول وينتفي التصادم والإنفصال . توازن يمكن الإنسان من أن ينطلق بكل قواه إلى غاية واحدة ، ووجهة واحدة ، لا تصادم ولاتضارب ولا تصارع كهذا الذي نراه ونأسف لرؤياه .. وصدق الله العظيم الذي يوصينا بقوله الكريم : " وَأَنَّ هَـذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ". 7 ها هو صراط المستقيم .. وهداه بين أيدينا .. هذا هو الهدى الذي بشرنا به منذ خروج أبونا آدم من الجنة ، وأخبرنا أن لا سبيل للعودة إلى الجنة إلا به : " فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ * قُلْنَا اهْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ * وَالَّذِينَ كَفَرواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا أُولَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ". 8 نقطة الالتقاء مهمة الإنسان إذن .. أن يصل دائما إلى إدراك نقطة الالتقاء بين كل القوى ، وأن يربط بين القيم المتباينة .. لأنه وحده القادر على إدراك كنهها ، وأبعادها التي تربطها ، في وحدة لا تقبل التجزئة ولا الانفصال .. ولم لا .. ؟ وهو وحده الذي يحمل في داخله الطبيعة التي تمثلها قبضة الطين ، و القوى الإيمانية التي تمثلها النفخة العلوية . مهمة الإنسان بالدرجة الأولى ، أن يصل بعالمه وما يمثله من كائنات وموجودات إلى التوازن الإلهي المنشود ، بدء من نفسه ، وانتهاء بأصغر شئ قد يراه في الوجود ، وذلك على كل الأصعدة وفي كل المجالات .. في مجال النفس ، ومجال الفكر ، ومجال العمل ، ومجال العبادة ، ومجال الأخلاق . وهذا التوازن لا يتم ولا يكتمل أبدا إلا بالإيمان بالله ، كخالق للإنسان ومدبر للأكوان من حوله ، وبالعلم بحقيقة الكون و حقيقة الحياة ، كما يقررها الله وحده جل وعلا . وهذا الإيمان المطلق هو أصل التوازن وأساسه الذي بدونه تنقلب حائق الكون رأسا على عقب ، وتفقد كل الأشياء مصداقيتها ، بل وحقها في الوجود . ذلك لأن الإيمان بالله يمثل الباطن ، يمثل القيم الإيمانية ، ويمثل أيضا السنن الإلهية ، بل ويمثل القطب الإيجابي في التوازن ، لأنه أصله الذي لا يتم إلا به .. ولأجل تجاهل هذا الأصل ، يسعى إنسان اليوم بحضارته المادية بلا وجدان وبلا شعور وبلا سعادة أيضا جناحا التوازن العلم والإيمان إذن هما جناحا التوازن ، اللذان بهما يحلق في دنيا الواقع وما بعد الواقع .. وبالعلم وحده ، ومهما ارتقى وارتفع ، فإنه لا محالة لن يستطيع أن يوقف هبوطه وانحداره من جهة الواجب والشعور والإحساس .. انحدارا مطردا ومتميزا ، يعادل أو يزيد صعوده وارتفاعه من جهة العلم . بهذا التوازن وحده ، وعن يقين تام مستمد من كتاب الله ، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، نستطيع أن نضبط حركة الإنسان لتساير فطرته ، بل هداية فطرته إلى ناموس الله ، الذي يوازن بين حركة الإنسان وحركة هذا لوجود كله في الاتجاه الذي يريده رب العالمين .. وذلك بحق وصدق ويقين ، هو صراط الله المستقيم الذي يضمن سعادة الدارين . المجتمع القرآني ذلك دون شك التوازن نفسه الذي انطلق به رسول الله الكريم ، وهو يرسي على أنقاض الجاهلية الأولى دعائم المجتمع القرآني المتوازن النبيل الرفيع . فكان أن حقق لأول مرة في تاريخ البشرية بأسره ، مجتمع النظافة والجمال ، مجتمع العظمة والارتفاع ، مجتمع البساطة واليسر ، مجتمع الواقعية والإيجابية ، مجتمع الدنيا والآخرة ، مجتمع الواقع وما بعد الواقع . وبمقدورنا اليوم أيضا ، ونحن نمتلك تصورنا الإسلامي عن الوجود وعن الحياة ، الذي لم يكن ليخطر للبشرية على بال . بمقدورنا اليوم ، أن نصنع لأمتنا ميلادا جديدا ، كذلك الذي كان لها في أول عهدها بالإسلام ، بمقدورنا أن نعيد دورنا الريادي لقيادة العالم ، تماما كذلك الذي كان لنا . ولنا في حديث رسولنا الكريم الثقة كل الثقة في تحققه من جديد ، يقول صلى الله عليه وسلم : " لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها " . كلمة أخيرة هذه ــ أخي القارئ ــ دعوة لإعطاء منهج الله المتكامل الصدارة والمكانة ، ونبذ مناهج الناس التي يكره الناس على قبولها بالحديد والنار ، لكن قلوبهم تضل ترفضها وتتملص منها في غياب القانون والسلطان .. هذه دعوة لرد الإنسان إلى خالق الإنسان ، وصرف النظر عن أهواء المتعالمين المتفلسفين ، الذي ينظرون إلى الأمور بعين واحدة ، تماما كتلك التي نظر بها إبليس عليه لعنة الله إلى سيدنا آدم ، فلم ير فيه إلا صورة الطين : " إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِن طِينٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ * فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ * إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنْ الْكَافِرِينَ * قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ* قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ * قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ * وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ * قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ ". 9 صدق الله العظيم هامش : ــــــــــــــــــــــــــــــــ 1. الإسراء : 9 . 2. الملك : 14 . 3. البقرة : 35 ،36 . 4. البقرة : 37 . 5. البقرة : 30 . 6. البقرة : 38 . 7. الأنعام : 153. 8. البقرة : 37 ــ 38 . 9. ص : 71 – 80 . |
||||
|
خيارات الموضوع : |
||||
التعليقات
|
||
|---|---|---|
|
||
|
|
![]() ![]() |