
| أضيف في: 05/05/2009 | ||||
|---|---|---|---|---|
| لقاء في السجن * " اللقاء الأخير بين المختار والشارف " حاولت ايطاليا بعد أسر عمر المختار ، أن تستعين ببعض الشخصيات الوطنية ، لإقناعه بإصدار أوامره إلى المجاهدين ، ليلقوا أسلحتهم ويسلموا أنفسهم .. وأوعزت إلى الشارف الغرياني ، بأن عمر المختار يريــد مقابلته .. وتنفيذا لهذه الرغبة قام " الكمندتور رينسي" السكرتير العام لحكومة برقة ، بزيارة للشارف الغرياني ، بصحبة الترجمان " فرناري" ، وطلب منه أن يذهب إلى السجن لمقابلة المختار .. مضيفا : أن الحكومة الإيطالية ، لا ترى مانعا في تحقيق رغبة المختار .. واحتـار الشارف ، وافترض أسوأ الاحتمـالات .. لكنه لم يجد ما يفسر له هذا الطلب .. ولـم يجـد مـا يقنعـه ، بأن عمر المختار قد طلب في مقابلتـه .. خاصة بعدما علم أن الحكومـة الإيطالية ، كلفـت " الكوالير فورناري" لمرافقته وتسهيل إجراء المقابلة بمكتب مدير السجن . عن ذلك اللقاء الذي جمعهما معا .. رغم ما بينهما من اختلاف كبير في وجهات النظر السياسية ، أحدهما كما نعرف كان يفضل مقاتلة العدو مهما تكن الخسائر ، وإن لم تسعف الظروف .. وآخر كان يفضل استرداد حقوق الناس الذين غلبوا على أمرهم بأقل الضررين .. حتى تتبدل الظروف وتسعف الأحوال. عن ذلك اللقاء الأخير .. يحدثنا الشيخ الشارف الغرياني فيقول : 1 " فكرت طويلا في الأمر .. لكن لم يسعفني التفكير لمعرفة السبب .. وهل صحيح أن السيد عمر المختار هو الذي طلب المقابلة .. ؟ لماذا .. ؟ إنه جبار كما أعرفه .. ولن يحاول أن يطلب أية مساعدة من أي نوع .. ولا من أية شخصية مهما تكن الظروف المحيطة به .. هل ترغب الحكومة في أن أقابله وأرادت أن تخفي رغبتها هذه .. ؟ ثم إن السيد عمر المختار يعرف ما بيني وبينه من اختلاف في وجهات النظر السياسية ولذا فهو أبعد من أن يطلبني الآن .. إنه يعرف مقدما المصير الذي ينتظره .. منذ أن وقع في أيدي أعدائه .. ويعرف أيضا بأن ليس لكائن من كان في استطاعته التدخل في هذا الأمر .. وفوق كل هذا فإنه لا يضعف إنه أقوى من كل قوة يتصورها الإنسان .. كل هذه الاحتمالات مـرت بخاطري .. ثم إن مقابلتـه في مثـل هـذه الظروف ، تؤثر في نفسي .. ولذلك رأيت أن أعتـذر .. ولكن " الكمندتور رينسي" أصر على أن أذهب لمقابلته . وذهبت إلى السجن منقبض النفس ، فاستقبلني المدير وكان معه أحد ضباط "الكرابنير" .. وبعد جلوسي بدقائق أقبل سيدي عمر المختار .. وكان يستند على اثنين من الجنود ووراءه جندي مسلح .. ولم يكن بمكتب مدير السجن ، مقعد غير المقاعد التي جلسنا عليها .. فدخل السيد عمر ووقف ومددت له يدي لأصافحه .. فقال مدير السجن إن التحية بالأيدي ممنوعة ، حسب نظام السجن .. ولكن ما دمتما داخل مكتبي ، أعتبر أنها لم تكـن .. وطلبت مـن المترجم " فرناري" أن يجلسه في مكانه ففعل .. وجلس السيد عمر وخيم علينا سكون رهيب .. وكنت انتظر أن يقول لي شيئا .. ولكنه لم يفه بكلمة واحدة .. وأردت أن أبتدئ الكلام فقلت هذا المثل الشعبي مخاطبا به السيد عمر : " الحاصلة سقيمة والصقر ما يتخبل " ومـا إن سمع هذه العبارة حتى رفع رأســه ونظـر إلي شزرا .. حتى كاد الشرر يتطاير من عينيــه .. وقـال : " الحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه .. وسكت قليلا .. ثم أردف قائلا : ربنا هب لنا من لدنك رحمة .. وهيئ لنا من أمرنا رشدا .. إنني لم أكن في حاجة إلى الوعظ أو التلقين .. إنني أؤمن بالقضاء والقدر .. وأعرف فضائل الصبر والتسليم لإرادة الله .. إنني متعب من الجلوس هنا فقل لي ماذا تريد " . وهنـا فقـط – يقول الشارف الغرياني – أيقنت أنه لم يطلب مقابلتي .. وأدركت أنها لعبة مـن " كلاب الدم " فزاد تأثري وقلت له : ما وددت أن أراك هكذا .. ولقد أرغمت نفسي على الحضور بناء على طلبك .. وحاولت مرارا كي أتجنب هذا الموقف .. وهذا اللقاء الأسود .. أكرر أنني ما وددت رؤيتك هكذا. فقال : أنا لم أطلبك .. ولن أطلب أحدا .. ولا حاجة لي عند أحد . ووقف دون أن ينتظر مني جوابا .. ففهمـت أن " رينسي" الكلب هو الذي دفعني إلى هذا الموقف المحزن .. وكأنه كان يريـد مني ، أن أعرف ما كان يريده عمر المختار .. وعـدت إلى منزلي وأنا أشعر بالحزن والضيــق .. وشعرت بشيء فـي نفسي ما شعرت بمثله طيلـة حياتـي " . بهذه الروح الطيبة ، وبهذا الحب الغامر للوطن ورموزه ، تتبدى لنا شخصية الشارف الغرياني .. وهو يتحدث عن المختار .. وبهذا البغض الشديد والكره العارم .. تتبدى لنا وبوضح تام شخصيته وهو يتحدث عن إيطاليا ورموزها . أنا هنا ومن خلال هذا التصريح الهام الذي أدلى به الشارف بعد آخر لقاء له مع المختار .. والذي نقله لنا المؤرخ الجهادي الطيب محمد الأشهب ، أنا هنا أطلب من القارئ الكريم أن يعيد قراءته ، وأن يمعن النظر في العبارات التاليه ، التي تؤكد أن الشارف لم يكن في يوم من الأيام معاديا للمختار ورفاقه .. ولم يحمل السلاح في وجوههم ويقاتلهم جهارا نهارا ، تماما كما كان ممن يحسبون اليوم على المجاهدين ، وتطلق أسماؤهم على الفنادق والساحات وحتى النوادي الرياضية . 1. وهل صحيح أن السيد عمر المختار هو الذي طلب المقابلة . 2. ثم إن السيد عمر المختار يعرف ما بيني وبينه من اختلاف في وجهات النظر السياسية . 3. وفوق كل هذا فإنه لا يضعف إنه أقوى من كل قوة يتصورها الإنسان . 4. ثم إن مقابلتـه في مثـل هـذه الظروف ، تؤثر في نفسي . 5. وذهبت إلى السجن منقبض النفس . 6. وبعد جلوسي بدقائق أقبل سيدي عمر المختار. 7. فدخل السيد عمر ووقف ومددت له يدي لأصافحه . 8. وطلبت مـن المترجم " فرناري" أن يجلسه في مكانه ففعل .. وجلس السيد عمر. 9. وأردت أن أبتدئ الكلام فقلت هذا المثل مخاطبا به السيد عمر: الحاصلة سقيمة والصقر ما يتخبل . 10. أيقنت أنه لم يطلب مقابلتي .. وأدركت أنها لعبة مـن " كلاب الدم " فزاد تأثري وقلت له : ما وددت أن أراك هكذا .. ولقد أرغمت نفسي على الحضور بناء على طلبك .. وحاولت مرارا كي أتجنب هذا الموقـف.. وهذا اللقاء الأسود .. أكرر أنني ما وددت رؤيتك هكذا. 11. ففهمـت أن " رينسي" الكلب هو الذي دفعني إلى هذا الموقف المحزن . 12. وعـدت إلى منزلي وأنا أشعر بالحزن والضيــق .. وشعرت بشيء فـي نفسي ما شعرت بمثله طيلـة حياتـي . نعم .. رغم ذلك الاختلاف في وجهات النظر في كيفية مواجهة المحتل .. إلا ان الشارف – يرحمه الله - لم يعاد التيار الجهادي .. ولم يتبرم من عمر المختار ورفاقه الأحرار .. وقد تحدث – كما مر بنا - عن ذلك اللقاء الذي جمعه بعمر المختار قبيل شنقه .. وأخبر كيف أن : " كلاب الدم خدعوه " .. بإخبارهم له زورا بأن المختار يريد مقابلته .. بينما كان غرضهم أن ينقل عنه أوامره إلى المجاهدين .. بتسليم سلاحهم وإنهـاء المقاومة لكنه كان أكبر من أن يكون صيدا سهلا لتحقيق مآربهم الخبيثة . ونلاحظ من خلال حديثه عن تلك المقابلة .. أنه كان يحقد على رموز إيطاليا .. ويصفهم بما يليق بهم .. كقولـه مثلا : " ففهمـت أن " رينسي " الكلب هو الذي دفعني إلى هذا الموقف المحزن " .. بينما نراه في حديثه عن عمر المختار لا يذكر اسمه إلا مقرونا بكلمة " سيدي " .. وأكبر دليل على هذا التقدير والاحترام الذي يكنه الشارف للمختار يطالعنا من خلال جوابه ذاك حينما سأل عن لباسه داخل السجن .. هل هو لباس السجن أم لباسه الخاص الذي كان يقاتل به .. فقد كانت إجابته أكبر مـن سؤالهم .. وكانت قيمته عنده أجل من اللباس وأعظم .. كانت إجابته تلك تنم عن تقدير وإعجاب شديدين بشخصية المختار وبهمته العالية ومكانته من نفسه وقلبه .. وذلك حينما استشهد بقول الشاعر : عليـه ثياب لو تقاس جميعها بفلس لكان الفلس منهن أكثرا وفيهـن نفس لو تقاس بهـا نفوس الورى كانت أجل وأكبر وكل ذلك يعكس لنا وبوضح تام .. كيف أن اختلافهما كان في وجهات النظـر وحسب .. كانت وجهـة نظر المختار مقاتلة العدو دون النظر إلى الخسائر .. وكانت وجهـة نظر الشارف استرداد حقوق الناس المعذبين المتعبين بأقل قدر من الخسائر .. ورغم ذلك كان وفي قرارة نفسه يتمنى للمختار النصر على إعدائه وتحقيق كل مآربه في العزة والكرامة . ألا تلاحظون معي ذلك من خلال هذا المقطع الجميل الذي يقول : أيقنت أنـه لم يطلب مقابلتي .. وأدركت أنها لعبة مـن " كلاب الدم " فزاد تأثري وقلت له : ما وددت أن أراك هكذا .. ولقد أرغمت نفسي على الحضور بناء على طلبك .. وحاولت مرارا كي نتجنب هذا الموقف .. وهذا اللقاء الأسود .. أكرر أنني ما وددت رؤيتك هكذا . صدقت أيها الشيخ الجليل .. أنت بلا شك لست ممن يفرحون بمقابلة المختار هكذا .. مقيدا بالسلاسل منتظرا تنفيذ حكم الإعدام فيه .. وقد كانت مساعيك كلها من أجل تجنب ذلك .. كنت ستفرح حقا لو أن النصر كان حليفه .. وكان " كلاب الدم " بين يديه يطلبون العفو والصفح وينتظرون رحمته . هامش : ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ * سبق نشره . 1. أنظر كتاب : عمر المختار / محمد الطيب الأشهب . |
||||
|
خيارات الموضوع : |
||||
التعليقات
|
||
|---|---|---|
|
||
|
|
![]() ![]() |