المرآة 2 - سنابل القلم
سنابل

سنابل القلم » ترجمات : قصص ومسرحيات مترجمة / ترجمة سعيد العريبي » المرآة 2

 المرآة 2  أضيف في: 21/10/2009
المرآة 2 *


للكاتب الإنجليزي : جي. سي. ثونلي



فى اليوم التالى شعر ( لاتيمور ) بالراحة وهو يتجول على شاطئ ( برايتون ) ويستنشق هواءها المنعش .. كان الجو جميلا وكان ( لاتيمور ) يحب البحر .. سار بمحاذاة الشاطئ يشاهد الناس ويستطلع واجهات المحلات ، التى أنتصبت على امتداد ذلك الشاطئ الجميل .. وبإحدى تلك الواجهات شاهد طاولة صغيرة ، أعجبته كثيرا ، فدخل المحل وقال للبائع :
- هل بإمكانك إرسالها الى منزلى إذا اشتريتها .. ؟
- نعم بكل تأكيد .
دفع ( لاتيمور) ثمن الطاولة وناوله العنوان .
- سوف تصلك السبت .. حوالى الساعة العاشرة صباحا أو أقل من ذلك بقليل .
شكره (لاتيمور) وغادر المحل .. وصل منزله فى ساعة متأخرة من الليل .. لم تكن السيدة ( كولين ) هناك وكان ثمــة عشاء بارد فى انتظاره .. كان متعبــا ويشعر بالنعاس بعــد ذلك اليوم الجميل الذى أمضـاه فى ( برايتون ) إلتهم عشاءه بسرعة غير معتادة ، ومن ثم ذهب الى السرير مباشرة .

وفى صباح يوم الجمعة كان السيد ( لاتيمور ) يحاول عبثا أن يطرد صورة المرآة الصغيرة من ذاكرته وتفكيره .. كان فى حاجة ماسة الى الراحة .. ولذا فقد قرر أن لا يشغل نفسه بها .. لكنه مالبث أن قال لنفسه :
- كل شئ هنا فى الريف مريحا وهادئا سوى هذه المرآة الغريبة .

خرج صباح ذلك اليوم فى نزهة خلوية مشيا على الأقدام وذلك فى محاولة منه لطرد صورتها عن مخيلته .. غير أنه وحينما عاد من رحلته تلك لم يستطع أن يصرف نفسه عنها .. ذهب الى المكتبة مباشرة وأخذها وحملها الى حجرة الجلوس ... كل شئ رآه من خلالها كان كما رآه فى السابق .. كان باستطاعته رؤية الكراسى والطاولات إلا شيئا واحدا لم يستطع رؤيته .. لم يستطع رؤية نفسه .. شاهد الساعة الكبيرة المعلقة على الجدار والمصباح الكبير الذى يقف بالزاوية .

فجأة صاح من شدة الدهشة :
- ما هذا الذى هناك بجانب المصباح .. ؟

نظر ثانية الى المرآة .. ثمة طاولة صغيرة بجانب المصباح .. حدق فى المرآة قليلا ثم أشاح بوجهه الى جهة المصباح .. لكنه لم ير الطاولة هناك .
لقد رآها بكل تأكيد فى المرآة .. نفس الطاولة التى إشتراها من مدينة ( برايتون ) .. إنها الطاولة التى سوف يستلمها غدا .

أشيـاء عـدة أدهشت السيد ( لاتيمـور ) فى السابق ، لكنه الآن أشد دهشــة من ذى قبل .. قال لنفسه :
- نعم إنه المكان المناسب لها .. يجب أن تكون فى نفس المكان الذى رأيتها به من خلال المرآة .. سوف تكون هناك غدا صباحا .. غدا .. !! هذا أمر غريب حقا .. ربما أن هذه المرآة تظهر المكان كما يجب أن يكون عليه غدا .. دعنى أفكر قليلا .. إذا نظرت إليها يوم الجمعة فإنه بإمكانى رؤية السبت .
والآن دعنى أفكر بتركيز أكثر .. نظرت السيدة ( كولين ) الى المرآة يوم الإربعاء .. فرأت بواسطتها حجرة النوم كما يجب أن تكون عليه يوم الخميس .. هل كانت أمام المرآة يوم الخميس .. لم تكن كذلك بكل تأكيد .. إنها تكرهها بل تخاف منها .. ولهذا فهى لن تحاول أن تنظر إليها مرة أخرى .
حسنا .. هذا يبدو أكثر وضوحا .. لم تستطع رؤية نفسها فى المرآة .. لقد أظهرت المرآة ما سيكون عليه الحال يوم الخميس .. هذا أمر محير حقا .. !!!

توقف عن التفكير قليلا .. غير أنه ما لبث أن شرع يحدث نفسه من جديد .. لم يكن من عادته أن يفكر بصوت مسموع :
- هــذا ما حدث معى تماما .. لقــد قضيت يــوم أمس بكامله فى ( برايتون ) فإذا كانت المرآة قد أظهرت حجرة النوم يوم الخميس ، فإنها بالطبع لن تظهر صورتى .. لأننى بالفعل لــم أكن هناك ذلك اليوم .. نعم .. لقد فهمت الآن .. يبدو الأمر أكثر وضوحا .

هـل معنـى هـذا أنه بإمكانى رؤية الغـد إذا نظرت من خلالها اليوم .. ؟ ضحـك ( لاتيمور ) فرحا بذلك ، غير أنه توقف عن مواصلة الضحك متسائلا :
- ولكن ماذا عن السيارة .. ؟ نعم .. لم أستطيع رؤيتها لأنها سوف لن تمر فى اليوم القادم من نفس الطريق .. سكت قليلا ثم قال مجددا :
- لكـن فى أى وقـت .. ؟ أعنى هل بإمكان المرآة أن تظهر المكان فى نفس الوقت من اليوم القـادم .. يجــب علي إيجاد إجابة قاطعة لهذا السؤال .. نظر الى ساعة الحائط .. إنها الآن الثالثة وأربعون دقيقة .. أمسك بالمرآة وصوبها باتجاه ساعة الحائط ، أشارت من خلالها الى نفس التوقيت الثالثة واربعين دقيقة .
قال محدثا نفسه : - المرآة إذن تظهر المكان بعد أربع وعشرين ساعة .
وتذكر الطائر .. ربما كان ذلك الطائر على تلك الشجرة بعد أربع وعشرين ساعة من مشاهدتى له من خلال المرآة ، لكن كيف يمكننى التأكد من ذلك .. ؟ كيف لى أن أعرف وقد كنت فى ( برايتون ) .

جلـس أمام المدفأة فى صمت .. لكنه ما لبث أن سمع أصواتا تنبعث من خلـف البـاب .. الساعة تشير الى الرابعة تقريبا .. إنها السيدة ( كولين ) جاءت لتقديم الشاى .. أخفى المرآة سريعا تحت معطفه .

وضعـت ( كولين ) الشاى بجانبه على المنضدة ثم إنصرفت .. غيرأنها توقفت عند الباب وهى تقــول :
- متى ستتخلص من هذه المرآة ياسيدى .. ؟
- لماذا سيدة ( كولين ) .. ؟
- إننى لا أحب الأشياء الغريبــة .. كما إننى لا أرغب فــى البقاء بهــذا المنزل إذا لم تتخلص منها .. إننى أحب عملى هنا سيدى .. إنه يناسبنى جدا .. أنا لا أرغب فى تركـه .. ولكننى فقط لا أفضل البقاء طالما أن تلك المرآة هنا .

وما إن أتمت جملتها الأخيرة حتى غادرت المكان مسرعة ودون أن يتمكن من الرد عليها .. ومرة أخرى أخفى ( لاتيمور ) المرآة فى مكتبته ولم يفكر بأمرها كثيرا تلك الليلة .

فى صباح اليوم التالى وصلت الطاولة التى كان قد إشتراها من ( برايتون ) .. وقد وضعها فى حجرة الجلوس بجانب المصباح .. لم يكن يبدو سعيدا ، وهــو يضعها فى ذات المكـان ، الـذى رآه فى المرآة .

قـال بصوت خافت : - المرآة تعرف كل ما سأفعله .. ولكن كيف يمكنها معرفة ذلك .. أنا نفسى قد لا أعرف ذلك .. إننى فقط أعمل ما أحب أن أعمله .. دعنى أفكر إذن فيما سوف أقوم به غدا .
سكت قليلا ثم شرع يقول : - المرآة تظهر الغد ..ربما يكون هذا مفيدا .. حسنا إذا عرفت أسعار الأشياء غدا .. فإننى سوف أكون ثروة طائلة .. بإمكانى مثلا شراؤها إذا عرفت أن سعرها سيرتفع غدا .
والآن ماذا سأشترى .. ؟ حسنا .. سأشترى ذهبا .. نعم الصحف تنشر أسعار الذهب كل صباح .. يجب أن لا أفرط فى هذه المرآة .. إنها مفيدة حقا .

ذهب مسرعا الى المكتبة .. وما لبث أن رجع الى حجرة الجلوس وهو يحملها بين يديه .. نظر الى الساعة أولا .. إنها العاشرة وخمس وعشرين دقيقة ..عند الساعة العاشرة والنصف سوف أمسك بالصحيفة وأضعها أمام المرآة .. وبهذا سوف أتمكن من رؤيتها غـدا .. فقـط بعد خمس دقائق من الآن .

أنتظر حتى أشارت الساعة الى العاشرة والنصف .. ومن ثم نظر الى المرآة .. لكنه لم ير الصحيفة .. ولم ير وجهه أيضا ولا يديه ولا أى جزء من جسده .
- ماذا حدث .. ؟ هل ثمة خطأ هنا .. ؟

سكت قليلا ثم صاح من شدة الفرح : - لقد تذكرت .. غدا الأحد .. وهذه الصحيفة لا تصدر يوم الأحد .. لقد صدقت المرآة مرة أخرى .. إنه لا يمكننى بطبيعة الحال أن أضع صحيفة الغد أمامها إنها تبدو دائما على حق .. وتعرف أكثر مما كنت أعتقد .

- ( بدأ الآن يحدثها ) هذه المرة سوف تخطئين دون شك .. غــدا عند العاشرة والنصف تماما سوف أضع وجهى أمامك مباشرة .. إنك لم تظهرى وجهى اليوم الساعة العاشرة والنصف .. إنك مخطأة دون شك ، لأننى سوف أضع وجهى أمامك مباشرة غدا فى مثل هذا الوقت .. أنا حر على أية حال ولن يكون بمقدورك منعى من ذلك .. نعم أنا حر .. افعل ما أحب أن أفعله .. فهل أدركت أنك على خطأ .

كان راضيا عن نفسه تمام الرضى وواثقا مما يقول ، ولكنه وفى ذات الوقت كان يشعر بشئ من القلق تجاه هذه المرآة العجيبة .
- مـا كان يجب علي التحدث الى هذا الشئ الغريب . ماذا ستقـول عنى السيدة ( كولين ) لو رأتنــى أتحدث إليها .. حملهـا بين يديه وذهــب بها الى المكتبة وخبأها هناك .

فــى تلك الليلة سمــع السيــدة ( كولين ) تقــول : ( لم يعد ثمة أثر لتلك المرآة اللعينة ) .. وقد سر أيما سرور لسماعه ذلك ، لأنه لم يكن فى نيته التخلص منها .. إنه بإمكانه عمــل الكثير مــن الأشياء المفيدة بواسطتها .. ولكنه أيضا لا يريــد أن يخسر السيــدة ( كولين ) .
وعندما ودعته السيدة ( كولين ) لم تكن تبدو سعيدة .. لقد لاحظ السيد ( لاتيمور ) ذلك .

وفـى يوم الأحـد وعندما أشارت الساعـة الى العاشرة وعشرين دقيقـة ، ذهـب ( لاتيمور ) الى المكتبة لإحظار المرآة .. غير أنه لم يجدها فى مكانها .. لم تكن هناك حيث خبأها بين كتبه .. كان غاضبا ومندهشا فى آن معا .. لقد خبأها بكل تأكيد هنا كى لا تجدها السيدة ( كولين ) .. بحث عنها فى كل أرجاء المكتبة لكنه لم يجدها .. ذهب ايضا الى حجرة النوم باحثا عنها .. بحث فى كل حجرة من حجرات المنزل ، وفى كل مكان منه ولكن دون جدوى .. لم يكن يرغب فى سؤال السيدة ( كولين ) عنها .. جرى من حجرة الى أخرى .. وأخيرا أطل مـن إحدى النوافذ وتطلع من خلالها الى الحديقة .. رآها هناك ملقاة بين الورود .. خرج مسرعا .. وكم كان سعيدا عندما وجدها سليمة لم تنكسر .

لقد وجدتها السيدة ( كولين ) ورمت بها من النافذة .. نظفها جيدا ثم أخذها معه الى داخل المنزل .. ذهب مباشرة الى حجرة الجلوس ، وجلس هناك بأسرع ما يمكن ومن ثم وضع وجهه أمام المرآة مباشرة .
قال مخاطبا المرآة : - لقد كنت مخطأة بالأمس .. لماذا لم أستطع مشاهدة وجهى الساعة العاشرة والنصف .. يوم أمس .. هاأنذا اليوم أنظر إليك فى نفس الوقت .

وتطلع الى المرآة .. حدق جيدا .. لكنه لم يــر شيئا .. نظر الى ساعة الحائط .. كانت تشير الى العاشرة وخمسين دقيقة .
قال متأسفا : - آه .. تذكرت أنا لم أنظر اليها فى مثل هذا الوقت .. لقد تأخرت كثيرا .. نعم لقد تأخرت .

فى تلك الليلة وقبل أن ينام ، ذهب الى المكتبة ليلقى آخر نظرة على المرآة .. مسحهـا بطرف قميصه وحدق بها .. لكنه لم ير شيئا على الإطلاق .. حتى الكراسى أوالكتب .. وجهها الى كل الأضواء الموجودة بالحجرة لكنها بقيت مظلمة .
استدرك قائلا : - هذا يعنى أن المكتبة فى مثل هذا الوقت تكون مظلمة .. إننى عادة ما أطفئ الأنوار عندما أذهب الى النوم .. نعم أنا سأكون حينئذ فى سريرى .

إنها الحادية عشر تقريبا .. وهو عادة ما يكون بحجرة نومه فى مثل هذا الوقت .. أخذ المرآة وذهب بها الى حجرة النوم .. ترك الأنوار مطفأة .. قال لنفسه :
- سأرى بواسطة أنوار الغد .. ثم نظر الى المرآة .. لكن ليس ثمة ضوء بداخلها .. إنها لا تزال مظلمة أدارها باتجاه المصابيح المطفأة ونظر ثانية .. لكن المرآة ظلت مظلمة كقطعة من ليل .. لم يكن بمقدوره رؤية أى شئ على الإطلاق .
قال محدثا نفسه :- هل هذا يعنى أنه سوف لن يكون هناك ضوء بحجرة النوم غدا فى مثل هذا الوقت .. ؟
إنها الحادية وعشر دقائق .. لكن لماذا .. ؟ أنا لم أقرر الذهاب الى أى مكان .. إننى عادة ما آوى الى فراشى فى مثل هذا الوقت .. وأترك دائما بعض المصابيح مضاءة .. ليس من عادتى النوم فى الظلام فلماذا إذن وجود الظلام هنا فى حجرة نومى .. غدا ليلا .. أين سأكون إذن .. ؟
أصابه الفزع وشعر ببرودة أطرافه فجلس على السرير متوجسا خائفا وهو يقول :
- هل هذا يعنى أننى سأموت غدا .. او حتى هذه الليلة .

حمل المرآة الى المكتبة .. حيث نظر إليها هناك مرة أخرى .. كانت لا تزال مظلمة وكأنها تضحك منه .. تلك الليلة لم ينم جيدا .

صباح يوم الإثنين شعر بأنه متعب جدا .. وبدأ يفكر فى التخلص من تلك المرآة اللعينة .. لكنه لم يكن حقا يرغب فى التخلص منها .. فهو بالإضافة الى حبه للأشياء الغريبة ، كان أيضا يرغب فى عرضها على صديقه السيد ( بنسون ) قال بصوت مسموع :
- سوف آخذها الى السيد ( بنسون ) هذا المساء .. إنه كاتب جيد .. سوف يكتب عنها قصة جميلة .. ربما سوف أفهمها أكثر .. فالتفكير برأسين أفضل بطبيعة الحال .. سوف نعمل بها معا أشياء رائعة .

بعد الإنتهاء من تناول الشاى .. ذهب الى المكتبة .. توجه مباشرة الى المكان الذى وضعها فيه .. مد يده بين الكتب .. تحسسها جيدا .. لكنه لم يجدها .. بحث عنها كثيرا فى كـل مكان من بيته ولكن دون جدوى وأخيرا تذكر الحديقة .. فخرج مسرعا لا يلوى على شئ .. توجه الى ذات المكان .. ليجدها وقد تناثرت أجزاء صغيرة جدا .. وحول حطامها آثار قدمى إمرأة ما .

............................................................................................................
نشرت بمجلة الفصول الأربعة العدد ( 101 ) 10/ 2002
خيارات الموضوع : ارسل الموضوع لصديق ارسل الموضوع لصديق  طباعة الموضوع طباعة الموضوع  حفظ الموضوع كملف Word حفظ الموضوع كملف Word 

التعليقات
»ابراهيم الغدامسي
  أضيف في: 20/12/2009
لو علمتم الغيب لأخترتم الواقع
قد يكون الغيب حلوا إنما الحاضر أحلى




POWERED BY: SaphpLesson 4.0