المرآة 1 - سنابل القلم
سنابل

سنابل القلم » ترجمات : قصص ومسرحيات مترجمة / ترجمة سعيد العريبي » المرآة 1

 المرآة 1  أضيف في: 21/10/2009
المرآة 1 *


للكاتب الإنجليزي : جي. سي. ثونلي



كان السيد ( ديفيد لاتيمور ) قد تعب من تجواله المضنى وأعماله التى لا تنتهى ، فقرر العودة الى بريطانيا ليستقر هناك ، طلبا للراحة ليس إلا .. كان يرغب فى العيش بمكان هادئ .. أكثرهدوءا من أى مكان آخر .
لذا وعندما أخبره صديقه ( بنسون ) عن منزل ( أرنسايد ) لم يضيع الوقت أبدا .. بل ذهب لمشاهدته واشتراه فى الحال .. كان منزلا كبيرا فى أحد الأرياف الإنجليزية الجميلة ، وفى حالة جيدة .. يقع على طريق هادئ .. إنه تماما يليق برجل يطلب الهدوء والراحة .

اشتراه ( لاتيمور ) كما هو وبما فيه .. وقد رغب بعدما اشتراه فى تعيين خادمة تقوم على شؤون المنزل والإشراف عليه .. وقد كان بمقدوره أن يدفع أجرا جيدا لمن تستطيع أن تتولى تلك المهام وتقوم على خدمته كما يأمل ويريد .
ولأنه كان يعرف أن الخدم لايرغبون فى العادة العيش بعيدا عن المدن ، لذا فقد سر جدا عندما سمع بأن السيدة ( كولين ) التى سبق لها العمل بمنزله الجديد - وتبلغ الأربعين من عمرها - تقيم بأحد المنازل القريبة منه وتبحث عن عمل .

وعندما ذهب السيد ( لاتيمور ) لمقابلتها وطلب منها العمل معه .. لم تمانع أبدا ، بل إنها لم تستطع أن تخفى سعادتها بذلك ، وهى تقول :
- لقد عملت بهذا المنزل من قبل ، عندما كنت صغيرة .. أعرفه جيدا .. كما أنه ليس بعيدا من هنا أستطيع أن أذهب إليه كل صباح وأرجع فى المساء ، إذا كان هذا يناسبك .
- يناسبنى جدا . أجابها السيد ( لاتيمور ) .

كان ( لاتيمور ) واحدا من أولئك الذين يحرصون على التقيد بطريقة عيشهم ولا يرغبون مطلقا فى تغيير عاداتهم وسلوكياتهم مهما كانت الظروف .
كان مـن عادته دائما الإستيقاظ في السابعة صباحا ، والذهاب للنوم الساعة الحادية عشر ليلا ، وكان هذا يناسب السيدة ( كولين ) تماما .

فى الأسابيع الأولى ، كان السيد ( لاتيمور ) منشغلا بتنظيم بيته الجديد ، ونقل أغراضه وأثاثه وشراء ما ينقصه .. وفى نهاية يوليو كانت كل أشيائه وأغراضه الخاصة فى أماكنها المناسبة .

ذات يوم صعد ( لاتيمور ) الى الحجرة العلوية ، فوجد بها صندوقا قديما مليئا بأشياء قديمة جدا ( ملابس وكتب وأوراق وأظرف قديمة ) تبدو جميعها غير مفيدة .
حمل الصندوق الى الحديقة وأوقد النار ، وأحرق كل مااستطاع حرقه .. لم يتمكن من حرق كل محتوياته . وقد كان من بين ماتركه مرآة دائرية صغيرة مغطاة بالتراب والأوساخ كبقية الأشياء الأخرى .

أخذ المرآة الى داخل المنزل وتركها فى حجرته الخاصة .. لم تعجبه كثيرا ولم يعرها أى أهتمام ، خاصة وأنه يملك مرآة كبيرة بحجرة نومه ، وليس فى حاجة الى مرأة صغيرة كهذه التى وجدها .

فى صباح اليوم التالى ، وبينما كان السيد ( لاتيمور ) يطالع جريدة الصباح فى حجرة الجلوس ، سمع صيحة من داخل حجرة النوم ، ثم سمع أصواتا أخرى . إعتقد أن السيدة ( كولين ) تحدث نفسها هناك .. لم يكن ذلك من عادتها .. صعد اليها مسرعا يستطلع الأمر .

كانـت تقف أمام المرآة الكبيرة المعلقة على الحائط ، وكانت تتحسس وجهها وعينيها .. وكان وجهها أبيض شاحبا وعلامات الخوف والفزع من شئ ما ، بادية عليه .
- ماالأمر .. ماذا حدث .. سيدة ( كولين ) .. ؟
- ألا ترى وجهى .. سيد ( لاتيمور ) .. ؟
- وجهك .. !! هل أصابك مكروه .. ؟
- عيني .. انظر الى عيني .. سيدى .. انظر جيدا .
- عما تتحدثين ..؟
سألها وهو ينظر الى عينيها .. لم ير ما يدعو للقلق ، ولكي يتأكد من ذلك سألها :
- هل تريننى جيدا .. ؟
- نعم .. وبوضوح تام .
- حسنا .. مما تخافين ..؟ لماذا صرخت إذن .. ؟
- من تلك المرآة اللعينة .. ( قالت وهى تشير الى مرآة صغيرة وبجانبها قطعة قماش ) لقد نظفتها .. كانت مغطاة بالأوساخ والتراب .
- أشكرك .. أشكرك جدا .
- هل أحضرتها معك من مكان ما .. ؟
- لا لقد وجدتها بصندوق قديم بهذا المنزل .. لكن لماذا تسألين .. ؟
- لن أنظفها .. بل إننى لن ألمسها مرة أخرى .
- لماذا .. ؟ هل من سبب مقنع .. إنها مجرد مرآة صغيرة .. أليس كذلك .. ؟
- لا أعتقـد ذلــك .. إنها ليست مجرد مـرآة .. عندما نظرت إليها لم أستطع رؤية وجهى .. لقد قربتها من وجهى تماما .. إننى لا أحبها سيدى .. ثمة شئ غريب وغامض يلفها .. إننى أرى نفسى جيدا عندما أقف أمام هذه المرآة الكبيرة .. أرمها من فضلك .. إرمها بعيدا سيدى .. أرجوك .

وحينما همت بمغادرة الحجرة ، أدارت بوجهها الى الجهة الأخرى كى لا يقع نظرها على المرآة .. قال ( لاتيمور) محدثا نفسه :
- يبدو أنها مريضة .

التقط المرآة من على الطاولة ، وقربها من وجهه ، لكنه ما لبث أن صرخ من شدة الخوف والدهشة ، لم يستطع هو الآخر رؤية وجهه .. نظر ثانية :
- يا إلهى ما هذا .. أين وجهى .. إننى لا أرى شيئا .

لــم ير سوى الحائط والصور المعلقة خلفه مباشرة ، أدار وجهه يمنة ويسره .. لـم يستطع تصديق عينيه حرك المرآة بيده .. لكنه لم يستطع رؤية نفسه فى أى مكان ومن كل إتجاه .. حركها الى أسفل محاولا رؤية ساقيه وقدميه .. لكن دون جدوى .

جلس على السرير مفكرا .. لكنــه ما لبث أن هب واقفا مــرة أخرى .. ومثلما فعلت السيدة ( كولين ) وقف هو الآخر أمام المرآة الكبيرة .. رأى نفسه بوضوح تام .. إنه هنا كما هو .. كبيرا كما هو فى الواقع .. جلس ثانية ممسكا المرآة الصغيرة بكلتا يديه .. ممعنا النظر فيها .. قال لنفسه : - إنها ليست مرآة عادية .

نظر اليها مجددا بتركيز تام .. رأى لونا أخضر بداخلها .. وضعها على السرير .
- أنا أحلم .. وكذلك السيدة ( كولين ) .. كلانا يحلم دون شك .

خرج من حجرة النوم .. تجول خلال المنزل .. ناظرا الى كل شئ .. كل شئ يبدو عاديا .. ولم يكن هناك ما يدعــو للقلق .. كانت السيدة ( كولين ) تقف بمحاذاة الباب الخلفى .. وقف هو الآخر هناك ..ينظر الى الأشجار ويحدث نفسه :
- ليس هناك شئ آخــر غيــر عادى .. حتى نــار المدفأة التى فى حجــرة الجلوس تتقــد بشكل جيـــد .. والكراسى والطــاولات وبقيــة الأثــاث فى أماكنهــا المخصصة لها .. والطيورهى الأخــرى لا تــزال تغــرد فى الحديقة .
- لا .. أنا لا أحلم .. أنا متأكد من أنني لا أحلم .

صعـد السلالم ببطء شديد ، واتجه مباشرةالى حجرة نومه .. أمسك المرآة بكلتا يديه ، ونزل بها الى حجرة الجلوس .. قال وهو يغلق الباب بهدوء :
- ربما ستكون أفضل هنا .. فى حجرة أخرى .

حـدق فى المرآة .. لم ير وجهه ولا يديه ولا رجليه ولا قدميـه ولا أى جزء من جسمـه .. كان بإمكانـه مشاهدة المدفأة والمصباح الكبير والصور وكل شئ آخر فى الحجرة .. إلا نفسه .. قرب المرآة من النافذة وحدق بها ، شاهد الحديقة بأشجارها وورودها .. رآها كلها من خلال المرآة بوضوح تام .. وعلى إحدى الأشجار رأى طائرا .. لكنه حينما نظر الى نفس الشجرة بعينه المجردة ، لم ير الطائر .. حدق فى المرآة مجددا .. رأى الطائر مرة أخرى .. رآه على الشجرة ذاتها .. ثم رآه يطير أثناء مشاهدته له .

مـرت سيارة على امتداد الشارع الـذى يمر خلف سور الحديقة مباشرة .. سمـع ( لاتيمور ) صوتها ورآها من خلال النافـذة .. صوب المرآة تجاهها محاولا إلتقاط صورتهـا .. لكنه لم يستطع مشاهدتها .

حمل ( لاتيمور ) ذلك الشئ الغريب ، وعاد به الى حجرة نومه .. وضعها ثانية على الطاولة .. فجأة هب واقفا وهو يقول :
- لا .. لن أضعها هنا .. فى حجرة نومى .

خشي أن تعثر عليها السيدة ( كولين ) مرة أخرى .. حملها الى المكتبة وأخفاها هناك بين كتبه .. ثم ذهب الى حجرة الجلوس ، وجلس بالقرب من المدفأة فى صمت وسكون .. شرع يفكر فى أمر هذه المرآة الغريبة .. ثم بدأ يفكر فى شؤونه هو .. لم يكن يشعر بمرض ما .. ولكن دقات قلبه ربما كانت أسرع مما يجب .

كان يحرص دائما على تناول وجبة عشاء دسمة ، ولم يكن يترك شيئا من طعامه .. وكان بإمكانه أيضا أن يقرأ جيدا ، ولذا فإن عينيه بحالة جيدة .. نظرالى يديه ورجليه .. إنه يستطيع أن يتحـرك و يمشى بيسر وسهولة .. ولم يكن ثمـة ما يدعو للقلق سوى هـذه المـرآة .
جلـس هناك مفكرا لمدة نصف ساعة تقريبا .. فجأة تذكر.. قال بصوت مسمـوع :
- المــرآة لا تظهر الأشياء التى تتحرك ، إنها فقــط تظهر الجدران والأرضيات والصــور والحديقة أيضــا كلها أشياء لا تتحرك .. نعم لم تستطع إظهار صورتينا أنا والسيدة ( كولين ) .. ولا حتى السيارة التى مرت بالطريق .

قال لنفسه : - والآن دعنى أفكر بوضوح .. ما الذى يحدث بالضبط ، لقد رأيت الطائر من خلال المرآة أولا .. ومن ثم نظرت من خلال النافذة فلم أتمكن من رؤيته .. ونظرت الى المرآة ثانية وقد رأيته بالفعل على ذات الشجرة ، ورأيته أيضا يتحرك ويطير بعيدا ، نعم رأيته يحلق فى الفضاء مبتعدا .

سكـت قليلا ثم قال وهو يضحك : - إننى أحدث نفسى .. تماما مثلما فعلت السيدة ( كولين ) .. اعتقد أنها أعراض غير سارة .
أخذ كتابا شرع يقرأ أو بالأحرى كان يلتمس طريق الهروب بالقراءة .. لكنه لم يستطع .. ثمة سؤال كبير يقلقه ، يطرق باب ذاكرته دونما جواب لم يجد له تفسيرا مقنعا .
- غــدا .. نعم سوف أستقل السيارة وأذهب الى ( برايتون ) غدا .. لقــد مكثت هنا وحيــدا مــدة طويلـة .. هواء البحر المنعش سوف يفيدنى دون شك .
( تلك الليلة - وعلى غير عادته - لم ينم جيدا )

............................................................................................................
نشرت بمجلة الفصول الأربعة العدد ( 101 ) 10/ 2002
خيارات الموضوع : ارسل الموضوع لصديق ارسل الموضوع لصديق  طباعة الموضوع طباعة الموضوع  حفظ الموضوع كملف Word حفظ الموضوع كملف Word 

التعليقات
لا يـوجـد تـعليـقات على هـذا الـموضوع




POWERED BY: SaphpLesson 4.0