الحقيبة البيضاء - سنابل القلم
سنابل

سنابل القلم » ترجمات : قصص ومسرحيات مترجمة / ترجمة سعيد العريبي » الحقيبة البيضاء

 الحقيبة البيضاء  أضيف في: 21/10/2009
الحقيبة البيضاء *


للكاتب الإنجليزي : جي. سي. ثونلي



فى أحد محلات لندن ، وبينما كانت السيدة " هيلـدا موند " تتفحص إثنتين من الحقائب النسائية إلتفتت الى زوجها قائلة :
- أيهما تفضل ... ؟
أجاب الزوج الذى كان يجلس بهدوء : كليهما .. إنهما جميلتين حقا .
لكنه فى الواقع لا يعرف الكثير عـن حقائب النساء ، جميعها تبدو فى نظره متشابهة وليس ثمة اختلاف فيما بينها ، سوى فى تعدد ألوانها واختلاف أحجامها .
كان متعبا بعد ساعة كاملة مـن الإنتظار .. هـذا على الرغم مـن أنـه يعرف مسبقا أن عليـه أن يتسلـح بالصبر ، وأن لا يمل الإنتظار ، وذلك كلما رافق زوجته لشراء شئ ما .

وقد كانت البائعة فتاة طيبة ، وعلى درجة عالية مـن الأخلاق وسعة الصدر ، فللمرة العاشرة تقريبا تنفذ طلبات " هيلدا " التى لا تستقر على رأى .
هــذه المرة فتحت البائعة حقيبة زرقاء اللون وقدمتها الى " هيلدا " .. لكن " هيـلدا " فتحت حقيبـة أخرى بيضاء وشرعت تتفحصهما معا .. نظرت إليها الفتاة قائلة :
- إنها بنفس الثمن ، ولكن البيضاء أكبر قليلا من الزرقاء .

وبعد عشر دقائق تقريبا غادر السيد " توم " وزوجته المحل ، وقـد كانت " هيلدا " تحمل بيدهـا حقيبـة زرقاء .
ذهبا الى المحطة مباشرة ، واستقلا أحد القطارات المتجهة إلى " ليفربول " .
- إختيار موفق . قال توم .
- لست متأكدة من ذلك .. يبدو أنها لا تناسبنى .
- لماذا .. ؟
- أفضل البيضاء .. النساء تستعمل الحقائب البيضاء مع فساتين مختلفة وقبعات مختلفة أيضا ، اللون الأبيض يناسب كـل الألوان الأخرى ، وهـذه الحقيبة الزرقـاء ، لا تناسب فستانا أحمر أو أخضـر .. أليس كذلك يازوجى العزيز .. ؟
- لا أعلــم عزيزتى هيلدا .. لكن وبما أنـك تعتقدين أنها لا تناسبك ، فـلمــاذا إذن اشتريتهـــا .. ( نظرالى ساعته ) ثم تابع كلامه قائلا : - على أية حال إذا كنت ترغبين فى إستبدالها ، فليس ثمة ما يمنع من ذلك فالفتاة طيبـة جـدا .. وأنا متأكـد مـن أنها لـن تمانع مطلقا فـى ذلك .. فقـط إذا كنـت حقـا تريدين الحقيبه البيضاء .
- ولكن .. هل تظن أن لدينا وقتاً كافيًا لستبدالها .. ؟
- نعم .. لا يزال لدينا تسع عشرة دقيقـة قبل أن يتحرك القطار .

( فتح الباب ) ثـم قـال : اعطنـى الحقيبـة ياعزيزتـى .. هاهـى تذكرتـك ، سأحاول أن أرجع قبل مغـادرة القطار.. لكـن إذا لم أتمكـن مـن ذلك .. إذهبـى ، يجب أن تذهبى .. ولا تنسي أن تأخذى حقائبنا معك ، سوف ألحق بك فى القطار التالى .

خرج مـن المحطة يركض بكل سرعتـه ، ويحمل بيـده الحقيبة الزرقاء .. قطع الطريـق المؤدى إلى المحطة .. جرى لبعض الوقت ثم انعطف شمالا .
قال محدثا نفسه : هل هذا هو الشارع ..؟ ثم عقب بقوله : لا ليس هو .. بكل تأكيد .
رجع الى الخلف .. ثم استدار يمينا ، بدلا من الشمال .
- نعم هذا هو الإتجاه الصحيح .. وذاك هو المحل .

كان لا يزال يحدث نفسـه .. وكان باستطاعته أن يرى المحل فى نهاية الشارع الطويل .. تابعه الناس بعيون ملؤها الدهشة والإستغراب .
قال لنفسه : - ربما أبدو غريبا فى نظرهم .
إعترض شرطى طريقه ، رفع له يده قائلا :
- إلى أين تركض بهذه الحقيبة ..؟
- إلى ذاك المحل .
أجاب توم وهو يشير إليه .. ثم نظر الى ساعته ، وقال بصوت خافت :
- أربع عشرة دقيقة .
- أى محل تعنى .. ؟
- ذاك الذىعند نهاية الشارع .. أريد استبدالها لزوجتى .
- سأذهب معك .
- حسنا .. بإمكانك أن تأتى معى ، ولكن يجب أن تركض كى أتمكن من اللحاق بالقطار .. قـال ذلك ثم انطلق يركض من جديد ، ولكن الشرطى أوقفه .
- تمهل أيها السيد .. لا تركض من فضلك .

وعندما وصلا الى المحل ، كانت الفتاة قد قدمت حقيبة خضراء كبيرة الى إمرأة سمينة ، تلبس فستانا أخضر اللون .
- مـن فضلك هـل لك أن تستبدلى ، هـذه الحقيبة الزرقـاء بأخـرى بيضاء .. ؟ لـقد اشترتها زوجتــى منذ قليل .
نظرت المرأة السمينة إليه باستغراب ثم قالت :
- يجب أن تلتزم دورك .. ألا ترى أنها مشغولة الآن .. ؟
- هل بعت هذه الحقيبة لهذا الرجل يا آنسة . قال الشرطى .
- نعم .. قالت الفتاة .

ضحك توم .. نظر الشرطى إليه بغضب ، ثم استدار وغادر المحل منكس الرأس .
قال توم وهو ينظر الى المرأة السمينة : - مـن فضلك يا آنسـة .. هـل بإمكانـك إستبدالهـا بأخرى بيضاء ... ؟ علـي أن ألحـق بالقطار قبـل أن يغادر المحطة .
- بأخرى بيضاء وبنفس السعر ... ؟
- نعم ..وبنفس السعر .

لكن المرأة التى لم يعجبها تصرف توم اعترضت قائلة :
- وأنا أيضا ليس لدي وقتا كافيا .. يجب أن أعود إلى المنزل حالا لإعداد وجبة العشاء .
نظرت الفتاة الى الحقائب المعروضة فى المحل ، ثم سألت :
- أي نوع تريد .. ؟ لدينا سبعة أو ثمانية أنواع من الحقائب البيضاء وكلها بنفس السعر .

نظر توم الى الحقائب المعروضة . بدت له كلها متشابهة ، فأشار إلى إحداها قائلا :
- نريد هذه .. لا مهلا .. بل هذه إنها تبدو أكثر شبها بالزرقاء .. أيمكننا إستبدالها بهــذه .. ؟
- نعم ، بكل سرور .. هل أنت متأكد من أنها الحقيبة المطلوبة .. ؟
- نعم .. إنني أعرف دائما ما يعجب زوجتي .
نظر إلى ساعته .. قال محدثا نفسه : ( تسع دقائق ) .. ثم إلتفت إلى الفتاة وقال :
- من فضلك .. ضعيها فى كيس ، لا أريد أن يستوقفنى الشرطى هذه المرة .

وضعـت الفتـاة الحقيبـة فـى الكيس .. أخذهـا تـوم ، وخـرج من المحل ، وشرع يركض مسرعا باتجاه المحطة .. وبعد بضع دقائق وصل الى المحطة .. ولكن من الجانب الآخر من الطريق .
كان الطرق مزدحما بالسيارات المسرعة ، وكان عليه أن يعبره فـى أقل من دقيقة واحدة .. انـتظر قليلا .. ثم تمتم قائلا : أأقتل نفسى من أجل حقيبة نسائية .. ( نظر إلى ساعة المحطة ) .. والآن أربع دقائق ‍‍‍‍‍‍‌.. ولكن يجب على أن أنتظر .

وأخيرا انطلق مسرعا.. قطع الطريق من أمام سيارتى أجرة ، كادت إحداهما أن تدهسه . لكنه لم يتوقف ركض بكل قواه ، رغم كل اللعنات وصيحات الإستنكار والغضب التى كانت تلاحقه .
دخـل المحطة .. إتجه الى القطـار مباشـرة .. نظر إلى ساعته .. ارتسمت علـى وجهه علامات الرضى . لايزال لديه وقتا كافيا .. أكثر من دقيقتين .. وببطء شديد هذه المرة ، مشى باتجاه العربة التى تجلس بها " هيلدا " .. باستطاعته الآن أن يرى وجهها الجميل وهى تراقبه من خلال النافذة ، لقد كانت تنتظره بفارغ الصبر .. فتحت له الباب .. وتحرك القطار .
- أوه توم .. جئت فى الوقت المناسب .. اعتقدت أنك سوف لن تتمكن من اللحاق بالقطار.
- هاهى الحقيبة ياعزيزتى .. ( ناولها الكيس ) .
- شكرا توم .. شكرا جزيلا .

فتحت الكيس ، أخرجت الحقيبة وهى تبتسم .. لكن ابتسامتها تلك لم تدم طويلا .. وقد عرف توم سبب ذلك ، حينما صاحت فى وجهه قائلة :
- أوه توم .. إنها ليست الحقيبة التى أريد .


............................................................................................................
* نشرت بمجلة الفصول الأربعة العدد ( 88 ) 7/ 1999.
خيارات الموضوع : ارسل الموضوع لصديق ارسل الموضوع لصديق  طباعة الموضوع طباعة الموضوع  حفظ الموضوع كملف Word حفظ الموضوع كملف Word 

التعليقات
لا يـوجـد تـعليـقات على هـذا الـموضوع




POWERED BY: SaphpLesson 4.0