
| أضيف في: 21/10/2009 | ||||
|---|---|---|---|---|
للكاتب الإنجليزي: جي. سي. ثونلي كنـت أعرف السيد ( روبرت باتـن ) معرفة جيـدة .. عاش معظم حياته فـى ( اسكوتلندا ) ولكنه كان يأتى دائما الى لنـدن لآداء بعض مهامه التجارية .. كان عادة ما يقيم بشقته الخاصة أربعة أو خمسة أيام من كل شهر ، ثم يتركها ويعود الى ( اسكوتلندا ) . لم يكن طاعنا فى السن عندما مات ، لم يتجاوز الثالثة والسبعين من عمره ، وكان يتمتع بصحة جيدة وذاكرة قوية .. وعندما دعيت لأول مرة لزيارته ، وجدته يعانى من بعض الإضطرابات القلبية البسيطة .. كان ذلك قبل أربع سنوات من موته .. أخبرته بأنه يتوجب عليه أن لا يرهق نفسه كثيرا .. فضحك ولم يقل شيئا . كنت كثيرا ما أراه فى الأشهر والسنوات التى تلت زيارتى الأولى له .. فقد توطدت العلاقة بيننا كثيرا ولم أكن طبيبه المفضل وحسب ، بل صديقه أيضا . ذات يوم إتصل بى هاتفيا خادمه الخاص وطلب منى المجئ حالا .. ذهبت الى شقته بالسرعة الممكنة .. فوجدته فى السرير .. كان قد أنتهى للتو من كتابة رسالة .. ولم يكن - فى تلك المرة - على ما يرام ..قلت له : ماذا فعلت بنفسك .. ؟ ألم أقل لك بأن لا ترهق نفسك .. ؟ - إنه لم يأخذ بنصيحتك .. لم يخلد للراحة .. ياسيدى . ( قال الخادم ) استمعت الى دقات قلبه وفعلت من أجله كل ما استطعت فعله .. وفى الأثناء نظر الي (باتن) وقـال : - إننى أعرف ذلك .. سأموت بعد قليل .. أليس كذلك .. ؟ لم يكن صوته قويا فى تلك الليلة .. تعمدت أن لا أجيبه .. كلانا كان يعلم الحقيقة . لكنه وعندما تمكن من الكلام ، نظر الي ثانية وقال : - لقد جاءت بالسرعة غير المتوقعة . - يجب ألا تتكلم .. أنت فقط فى حاجة الى الراحة . لكنه لم يلتفت الى كلامى .. فخاطبنى وهو يضع الرسالة فى يدى : - سلم هذه للسيد ( تروت ) . نظرت الي الظرف الذى كتب عليه الإسم والعنوان : السيد : ( ويليام تروت ) ، شارع ( هولو وى ) مدينــة ( بورتن هل ) فقلت له : - هل بإمكانى إرسالها بالبريد .. ؟ - أنا لا أعرف رقم منزله ، لا أستطيع تذكره .. يجب أن يستلم السيد (تروت) هذه الرسالة، كان يقيم فى ( بورتن هل ) منذ خمس سنوات .. ربما يكون قد إنتقل الى غيرها . طلبـت منه مرة أخرى بأن لا يتكلم .. سكت قليلا ثم شرع يقـول : إذا لـم يكـن ( تروت ) هناك .. أرجو أن تبحث عنه وتسلمه هذه الرسالة .. هل بإمكانك تسليمها له شخصيا .. ؟ ألا فعلت ذلك مـن أجلـى يا صديقـى العزيز .. ؟ - سوف أفعل كل ما طلبت منى . - هناك شئ آخر .. طلبت من (تروت) فى الرسا ... وتوقف صوت ( باتن ) عنـد هــذا الحـد .. سقط رأسه الى الخلف ، ولـم يتمكن مـن الكلام مـرة أخرى ، وبقيت الى جانبه الى أن فارق الحياة .. لم يكن لـه أقارب أو أصدقاء مقربين فى لندن ، وكان علي القيام بكل مراسم دفنه ، وقـد سبب لى ذلك متاعب كثيرة ، ولكننى كنت سعيــدا بمساعدة صديقى القديــم فــى إنتقاله الى العالم الآخر . صباح أحـد الأيام وقبل شروق الشمس بقليل ركبـت سيارتى القديمة وغادرت (لندن) متوجهـا الى (بورتـن هـل) لــم تكن سيارتى تصلح لمثل هـذه الرحلات الطويلة .. كنت فى حاجة ماسـة الى سيارة جديــدة ، ولكن لــم يكــن بوسعى تدبر ثمنها ، فقد كنت مثقلا بالتزامات مالية لا تبقى من مرتبى شيئا للإدخار . فى حوالى الساعة الواحدة تقريبا وصلت الى (بورتن هل) دخلت أحد المطاعم لتناول وجبة الغداء .. سألت الفتاة التى أحضرت الطعام عن شارع (هولو وى) فنعتت لى أقرب الطرق اليه .. خرجت من المطعم وتوجهت إليه مباشرة .. وعندما وصلت الى الشارع .. دخلت أول محل وسألت البائعة عن السيد (تروت) : - هل تعرفي السيد (تروت) الذى يقيم فى هذا الشارع .. ؟ - لا ياسيدى . ذهبت بعد ذلك الى مركز الشرطة ، آملا الحصول على مزيد من المعلومات ، وبعد البحث فى سجلاتهــم قال لى أحدهم : - إن السيد (تروت) كان يسكن بالمنزل رقم (45) لفترة من الزمن . - هل لى أن أعرف أين يقيم الآن .. ؟ - لا علم لنا بذلـك ياسيدى .. لكن إذا تركت لنا إسمـك وعنوانك ، فإننا سوف نكتـب لك عندما تتوفر لدينا أية معلومات جديدة عنه . أعطيتهم عنوانى فى لندن ، ومن ثم ذهبت لرؤية المنزل الذى كان يقيم فيه ، كان منزلا قديما متهالكا وقد استغربت بالفعل أن يقيم صديق الرجل الثرى ( باتن ) فى مثل هذا المنزل االقديم . عدت بعد ذلك الى لندن ، ووصلت الى منزلى فى ساعة متأخرة من الليل .. مضت عدة أسابيع ولم يصلنى أى شئ من شرطة ( بورتن هل ) .. كان كل يوم يمضى يزيد من قلقى حيال هذه الرسالة ، فقد كانت بحق حملا ثقيلا شغل كل ذاكرتى وتفكيرى . كانت الرسالة ملقاة أمامى على الطاولة ، ولم أكن أرغب فى رؤيتها ، كنت أرغب فقط فى التخلص منها بأية طريقة كانت .. فكرت أن أرمى بها بعيدا وأستريح ، لا أريد أن أشغل نفسى بها أكثر من ذلك ، فأنا رجل ذو مهام ومسئوليات كثيرة والسيد ( باتن ) رحل عن دنيانا على أية حال . ولكن كيف يمكن أن تساعد هذه الرسالة رجلا ميتا .. ؟ ماالذى تحويه بالضبط .. ؟ هل هى مهمة الى هذا الحد .. ؟ إنها فقط آخر رسالة كتبها رجل ميت الى صديق قديم لم تعد تربطه به صلة ما . نعم (تروت) لم يكن من أصدقاء (باتن) المقربين .. لـم يكن يقيم فى (بورتن هل) عندما كتب (باتن) هذه الرسالة .. لقد مات ولم يعرف أنه إنتقل الى مكان آخر منذ أكثر من خمس سنوات . إحتفظت بالرسالة فى مكان آمن ، لم أعد أشاهدها كل يوم ، وكنت قد نسيتها لفترة من الوقت .. لكن ذات ليلة من ليالى الشتاء الباردة ، وبعد يوم من العمل الشاق ، وبينما كنت أجلس أمام المدفأة تذكرت الرسالة ، فتوجهت الى المكان الذى خبأتها فيه وأخذتها وعدت الى مكانى .. قرأت العنوان مرة أخرى ، ومن ثم نظرت الى المدفأة ، وقد هممت بالفعل أن أرمى بها الى النار . قلـت لنفـسى : سوف أتخلص من هذا الحمل الثقيل ، لقد سببت لى الكثير من المتاعب ، لماذا لا أرمى بها الى النار وأستريح .. ؟ مددت يدى وكدت أفعل ذلك لولا أننى - وفى تلك اللحظة بالذات - تذكرت عينى (باتن) وهو يتوسل الي بقوله : هلا فعلت ذلك من أجلى يا صديقى العزيز .. ؟ فى اليوم التالى وصلتنى رسالة من شرطة (بورتن هل) يخبروننى فيها بعدم تمكنهم من الحصول على أية معلومات أخرى عن السيد (تروت) وقد لا يتمكنون من ذلك مستقبلا . تلك الليلة قررت أيضا التخلص منها ، ورغم أننى إعتقدت أنه من غير المجدى الإحتفاظ بها أكثر من ذلك .. إلا أننى إحتفظت بها على أية حال . كانت الحياة ولا تزال مليئة بالمفاجآة ، فقد تعتقد فى بعض الأحيان أنه ليس ثمة فائدة من أى شئ على الإطلاق .. حتى الحياة نفسها قد نشعر حيالها فى بعض الأحايين أنها غير ذات جدوى .. وأنها لا تستحق كل هذا العـناء .. لكن وفى ذات اللحظة قد يحدث شئ ما ، يغير وجهة نظرك تلك ويقلبها رأسا على عقب .. وذلك بالفعل ما حدث لى . ذات يوم خرجت من منزلى لزيارة أحد المرضى .. لم يكن منزله يبعد كثيرا عن منزلي .. قررت الذهاب إليه راجلا .. لم تكن حالة المريض تدعو الى القلق ، وقد لا حظت التحسن الذى طرأ على حالته وسررت بذلك . وفى طريق العودة الى منزلى ، وبينما كنت أعبر الطريق شارد الفكر ، وإذ بسيارة من الطراز القديم تصدمنى بشدة ، وأسقط أمامها على الطريق ، وقد كان السائق - الذى أوقف السيارة فى الوقت المناسب - أكثر إنتباها منى .. وقفت بتثاقل شديد .. وقد اتسخت ملابسي ، وكان ثمة جرح صغير بيدى . أسرع الي السائق متأسفاً ، وأخذنى بسيارته القديمة الى منزلي .. وعندما وصلنا الى هناك اصطحبنى الى باب المنزل وقال لى :إسمى (تروت) أقيم بشارع (أورويل) منزل رقم (264) .. لم أكن وقتها بطبيعة الحال أفكر برسالة السيد (باتن) ولكن مجرد سماع هذا الإسم أدهشنى ، وأعاد الى ذاكرتى تلك الرسالة فقلت له : - هل لك أن تذكر لى الإسم الأول ، إذا سمحت .. ؟ - ولما لا .. إسمى الأول : (وليام) . - هل تعرف أحدا يدعى بالسيد ( روبرت باتن ) .. ؟ تغيرت ملامح وجهه ونظر الي باستغراب ثم قال : - نعـــم . - ادخل .. لدى شئ يخصك . لم يكن فى بداية الأمر يرغب بالدخول ، لكنه أخيرا دخل وجلسنا معا فى حجرة الجلوس لبعض الوقت .. ثم تركته وذهبت لأستحم وأغيرملابسي ، وعندما عدت إليه قدمت إليه الرسالة وأنا أقول : - الآن انتهت مهمتى .. وإننى لسعيد بذلك . - من أعطاك هذه الرسالة .. ؟ أخبرته بالقصة من بدايتها فقال لى : لقد سببت لك الكثير من المتاعب ، ثم فتح الرسالة وهو يقول : - نعــم أعرف ( باتن ) .. كنت شريكه فى التجارة منذ سنوات خلت .. إنه رجل قاس صعب المراس لا يعرف المرونة أبداً . وحينما شرع السيد ( تروت ) بقراءة الرسالة .. نظرت الى الجرح الصغير الذى بيدي ، ومن ثم الى الرسالة التى يمسكها بكلتا يديه ، وقلت لنفسى : كم أنا مسرور لدفع هذا الثمن الزهيد ، نظير أن تصل هذه الرسالة الى صاحبها . - ما هذا .. ؟ صاح ( تروت ) . كان مندهشا .. لا حظت ذلك من ملامح وجهه .. واصل القراءة لبعض الوقت ، ثم وضع الرسالة على الطاولة وخاطبنى قائلا : - هل تعرف أى شئ عن هذه الرسالة .. ؟ - لا .. لاشئ . - يجب أن أخبرك بكل شئ إذن .. كما يجب أن أعتذر لك عن المشاكل التى سببتها لك .. لا يمكننى أن أوفيك حقك من الشكر أو من الإعتذار . - لم أعمل الكثير .. إننى فقط سعيد بمساعدة صديقى القديم . - عملت مع (باتن) فى التجارة ، ولم يكن يحب أحدنا الآخر ، فقد فقدت الكثير من أموالى ، كنت ثريا قبل أن ألتقيه .. كان قاسيا فى تعامله معي ، لا يعرف المرونة أو التسامح فى تعامله مع الآخرين كأن التجارة - فى عرفه - نوع من أنواع الحرب .. أخذ ( باتن ) معظم أموالى ، وبقيت فقيرا الى يومنا هذا .. ولكنه - فى هذه الرسالة - يقول إنه ترك لى سبعمائة وخمسين ألف جنيه .. إنه يطلب منى الذهاب الى محاميه ، الذى كتب عنوانه هنا . - ولكن .. ألم يتوجب عليه إخطار المحامى بذلك .. ؟ - ربما بحث عني ولم يجدنى .. أنت أيضا بحثت عنى كثيراً .. أليس كذلك .. ؟ - لماذا إذن لم يعلن عن ذلك فى الصحف .. ؟ - ربما فعل ذلك ، فأنا فى الغالب لا أطالع الصحف .. سبعمائة وخمسين ألف جنيه ، إنها لمفاجأة كبرى .. أليس كذلك دكتور ( تايفرتون ) .. ؟ كيف يمكن لى أن أشكرك .. لم يكن لدي علم بكل ذلك .. سوف أعود ثريا كما كنت .. بل أكثر ثراء مما كنت فى السابق . - لقد فهمت الآن .. وإنني لأذكر جيداً رغية ( باتن ) واصراره .. كان يريد أن يعيد إليك أموالك . - نعم .. نعم .. وقد أعطاني أكثر مما أخذ منى بكثير .. لم يكن شديدا ولا قاسيا بالقدر الذى كنت أعتقد .. كان شديدا معي أثناء مزاولتنا للعمل معا .. إنه حقا بخلاف ما كنت أعتقد .. أليس كذلك .. ؟ نظر الى الرسالة مرة أخرى ثم تابع كلامه بقوله : - هل فعلت الكثير من أجله .. ؟ - نعم .. فقد كنت طبيبه المفضل .. والطبيب بطبيعة الحال يعمل كل ما فى وسعه من أجل راحة مرضاه . - صدقت .. وقد كان ( باتن ) يحبك أيضاً .. كان يريد أن يعطيك شيئا من ماله ، لكن موته جاء فجأة . - يعطينى شيئا من ماله .. !!! - نعم .. طلب منى أن أعطيك صكا بمبلغ عشرة آلاف جنيه . عندمـا سمعـت ذلك منـه ، صحت من الفرح قائـلا : - عشرة آلاف جنيه .. ولكـن لمـاذا .. ؟ - لأنك ساعدته كثيرا .. ولأنه يحبك .. فأنت طبيبه المفضل وصديقه أيضا .. هذا لا يهم الآن .. المهم أن أنفذ ما طلب منى .. ولكن لا أستطيع أن أنفذ ذلك الآن .. أعنى لا أملك الآن مثل هذا المبلغ الكبير .. على أية حال سوف أذهب الى( اسكوتلندا ) لمقابلة المحامى وآمل أن يصلك الصك فيما بعد . - نعم .. كان ( باتن ) يقيم فى ( اسكوتلندا ) . ودعت السيد ( تروت ) عند الباب بقولى : - كم أنا محظوظ إذ صدمتنى بسيارتك . - وأنا كذلك .. ولكننى آسف على الجرح الذى سببته لك فى يدك . - لا عليك .. فقد كان سبباً فى حصولى على عشرة آلاف جنيه . وبعد أقل من شهر تقريبا ، وصلتنى رسالة من ( اسكوتلندا ) وكان الصك بداخلها .. فرحت بذلك كثيرا وشكرت السيدين ( باتن ) و ( تروت ) وذهبت من فورى لشراء سيارة جديدة . |
||||
|
خيارات الموضوع : |
||||
التعليقات
|
||
|---|---|---|
|
||
|
|
![]() ![]() |