اللغة والعقل - سنابل القلم
سنابل

سنابل القلم » البعد الآخر للكلمة : مقالات في فلسفة اللغة » اللغة والعقل

 اللغة والعقل  أضيف في: 21/06/2009
البعد الآخر للكلمة


2 اللغة والعقل


" مضـامـــين النفس لا يعبـر عنهــا ، بــل يوحــى بهــا فتصبــح قريبـــة "
( برغسون )



كثيرة هى المجاهل التى يحاول الإنسان إرتيادها ، لمعرفة وفك طلاسمها وخفاياها وأسرارها ، لكن ثمة شئ واحد استغلق على فهم الإنسان فى عالمه ، ومايزال يتحداه سراً مغلقاً ، لا يحتجب فى أعماق البحار ولا يسبح فى الفضاء الكونى الكبير ، بل يحمله معه داخل رأسه ، وذلك هو عقله .
به استطاع أن يتغلب على عوادى الطبيعة القاسية والوحوش الضارية ، وينفذ الى أقطار السموات والأرض بوسائل مبتكرة ومذهلة ، ليطوى المسافات ، وينقل المعلومات ، ويتصل إنسان الشرق بإنسان الغرب ، بالطائرات السريعة ، وبأجهزة الإبراق والإتصال المختلفة .
وبــه أيضا أدرك وجـود خالـق أعظم ، يديـر شـؤون هذا الكـون ، بحكمـة بالغـة ونظام دقيق ، منذ ألآف ، بل وملايين السنين .. وبه تدرج فى مدارج الحضارة الإنسانية ، حتى صار تاريخ الإنسان بأسره ثمرة هذا العقل .
هذا هو العقل الذى جعل الإنسان إنساناً ، مميزا عن بقية مخلوقات الله ، فكان أن حكمها بسلطانه ، وشرع يسيرها وفق مشيئته وطوع إرادته .
وعــن طريق هذا العقــل ، إخترع الإنسان الكلام ، كأول شئ فى حياته ، وكان مدفوعاً فى ذلك بضرورة التفاهم والتخاطب مع أفراد أسرته وجماعته .. فالعقل إذاً هو كما يقول البعض :
" المنظم الأكبر والقوة الموجهة لكل فعل إنسانى ، ومنبع العبقرية التى مكنت أسلافنا من البقاء والإستمرار " .
وقد مرت قرون عديدة دون أن يدرى الإنسان بوجود هذا الجهاز العظيم فى رأسه ، الذى به تتم إنسانيته ، ويدرك كماله ونبوغه وتقدمه .
وقــد كان الإنسان فى مراحله الأولى ، يعيش بعقلـه ويتعامـل به ، وكـان العقل بالغ الأهمية فى حياته كلها ، لكنه ورغم ذلك كله ، كان لا يدرك مكان وجوده .
كان ( سقراط ) حكيم عصره ، يعلم تلاميذه ، أن المخ لا يعدو أن يكون جهازاً لتبريد الدم ، وأن القلب هو مصدر التفكير والتدبير .
وكان ( إبن خلدون ) نتيجة للإعتقادات الخاطئة ، قد عرف اللغة تعريفاً قاصراً ، لا يليق بالإنسان وبعقله المفكر المدبر ، حيث وصف اللغة بكلمتين ، وقال بأنها : " قرع للشفتين " لا غير .
ولعله من نافلة القول ، أن نذكر بأن اللغة أكبر من أن تكون تحريكا للشفاه ، وإحداثا للأصوات ، ولو جاز أن تكون اللغة كذلك ، لجاز لنا أن نفهم وندرك على الأقل أن لبعض الحيوانات لغة أكبر من لغة الإنسان نفسه .
إن اللغة أكبر من أن تكون كذلك .. ذلك أن وراء هذه الأصوات والألفاظ ما هو أرهف منها .. إن المرء يحتال على أصواته وألفاظه بالفكر الحقيقى الحى .. بالعقل وحده .
نحن إذاً أمام ظاهرة إنسانية تميز بها الإنسان ، ظاهرة إنسانية تغاير تمام المغايرة طبيعة الحيوان .
ذلك أن اللغة من أخص خصائص الإنسان .. اللغة كما يقولون : " ظاهرة إنسانية عامة " نشأت مع الإنسان منذ النشأة الأولى ، شرع يعبر بها عن حاجاته ومشاعره وأحاسيسه منذ الوهلة الأولى ، تماما مثلما شرع فى المشى ومزاولة مهام حياته اليومية :
" لم يفكر ( الإنسان ) فى كلامه .. فقد إنطلق فى مزاولة هذه الحاجة ، كما إنطلق فى المشى والحركة ، والبحث عن الطعام " ( 1 )
إن الكلمات لا تحيا برغم كل ما يقال ، بل إن العقل هو الذى يحيا ويغير معناها ودلالتها ، وتبعا لهذا العقل تتغير أسماء الأشياء وتتجدد وتتوالد اللغات ، لتلبس لكل عصر ما يليق له ، ولقد أحسن من قال :
" إنه يوجد من اللغات قدر ما يوجد من الأفراد " ( 2 )
وقد منحنا هذا العقل ، قدرا من الإستنارة ، جعلنا ننزع الى الإعتزاز بأنفسنا ، وحملنا على الإزدراء بأفكار إنسان الأمس .. فها نحن اليوم نضحك على أسلافنا ، الذين حسبوا فى غباء مطلق ، أن الأرض محمولة على قرن ثور ، وأن الشمس تدور حول لها ، وليس أيسر على المرء من إلتماس أدلة كثيرة من ذلك الماضى المظلم .
وبهذا نصل الى التأكيد من حيث المبدأ أن الفكر سابق على اللغة ، أو مستقل عنها على الأقل ، علماء النفس المعاصرون يوردون الأمثلة الكثيرة على أن لدى بعض الحيوان ذكاء غير مصحوب باللغة ، كما هو الحال عند القردة العليا ، وقد قيل بهذا الصدد : " إن السبب فى تفرد الإنسان ، فى اختراع لغة كاملة يستعملها ، فى كافة مرافقه الفكرية
والعلمية ، فى النظر والعمل على السواء ، ودون تقيد بزمان ومكان معين ،
هو أنه أذكى الحيوان على الإطلاق " .


الهوامش والمراجع :

1[RIGHT] - التطور اللغوى التاريخى .
2 - اللغة ( فندرس ) ص 6 .

[/P]
خيارات الموضوع : ارسل الموضوع لصديق ارسل الموضوع لصديق  طباعة الموضوع طباعة الموضوع  حفظ الموضوع كملف Word حفظ الموضوع كملف Word 

التعليقات
لا يـوجـد تـعليـقات على هـذا الـموضوع




POWERED BY: SaphpLesson 4.0