
| أضيف في: 21/06/2009 | ||||
|---|---|---|---|---|
عن قضية بالغة الأهمية والخطورة ، عن قضية اللغة والفكر .. أردت أن أبدأ الحديث بهذه العبارة التى جمعت سر المشكلة بأسرها .. هذه المشكلة التى كثيرا ما تضاربت حولها وجهات النظر ، واختلفت الآراء قديما وحديثا . وبهذه العبارة يضعنا سارتر على بداية الطريق المؤدى الى إدراك كنه هذه العلاقة القائمة بين الإنسان وبقية الموجودات .. لكن عبارة ( سارتر ) هذه تثير تساؤلا مهما ، سنحاول قدر جهدنا أننجيب عليه ، قبل أن نشرع فى حديثنا عن قضية اللغة والفكر . يقول السؤال : لماذا يمتاز الإنسان دون غيره بهذا الوضع الخاص مع الله من ناحية ، ومع مكونات الطبيعة من ناحية أخرى .. ؟ ويتولى ( سارتر ) بنفسه الإجابة فيقول : " كل إدراك من إدراكاتنا مصحوب بأن الحقيقة الإنسانية ذات طبيعة كاشفة ، أى أن بها وحدها يتحقق الوجود ، أو بعبارة أخرى الإنسان هو الوسيلة التى بها تبتدئ الأشياء " . بهذا نكون فعلا قد وصلنا الى بداية الطريق المؤدىالى فهم هذه العلاقة الأزلية بين اللغة والفكر ، ونكون أيضا قد أدركنا سر تميز الإنسان عن بقية الموجودات .. أدركنا لماذا يستطيع الإنسان أن يقيم علاقات ذهنية راقية ومتعددة مع بقية الموجودات .. وبهذا أيضا نصل الى بداية الحديث .. نصل الى الصلة بين اللغة والفكر . فكما أن للفكر أثره البالغ على اللغة .. فبالمقابل للغة تأثيرها المعاكس على الفكر ، فالعلاقة بينهما علاقة ترابط وتلازم ، يلزم عن انعدام أحدهما انعدام الآخر .. ذلك أن اللغة هى المرآة العاكسة للفكر . تكتسب الكلمات بعدها المستمد من ذات الناطق نفسه ، والكلمات المجردة عن الفكر تتحول الى مجرد أصوات بلا معنى ، وتصبح كموميات محنطة أخرجت من معاجمها ، وعرضت فى عصر غير عصرها . إن قضية الصلة بين اللغة والفكر ، لا تقتصر دراستها على العلوم البايولوجية كعلم تشريح الدماغ والمخ ، وإنما تمتد أيضا وبالدرجة نفسها الى العلوم الإجتماعية وفى مقدمتها الفلسفة والمنطق وعلمى النفس والإجتماع ، وبالأخص علم النفس الإجتماعى . والإنسان العاقل - بطبيعة الحال - لا يستطيع أن يفكر فى ( المعانى ) التى ينطوى عليها ، دون أن يضع أمامــه ( اللغة ) ، أو الكلام كمرآة ينعكس عليها .. وقد دلل ( جوبير ) على أن التعبير إختبار للفكر بقوله : " إن المرء لا يعرف ما يريد أن يقوله إلا إذا قاله " . وواضح أنه يريد أن يقول لنا ، إن الفكر على العموم لا يمكن أن ينفصل عن اللغة ، بل لا بد من لغة حتى نعرف أن وراءها فكرا . وفى هذا يقول ( ميرلور يونتى ) بفكرة مؤداها أن ليس بين الفكر والكلام علاقات خارجية زمانية أو مكانية ، وقد بين ذلك فى قوله : " ليس الفكر قبل الكلام ، ولا خارج الكلام ، وإنما الفكر فى الكلام ، وقد انطوى كل منهما فى الآخر بلا إنه يشكله ، بقدر ما يصوغه .. إن المعنى داخل حقا فى الكلام ، والكلام ليس إلا الوجود الخارجى للمعنى " . والرأى الشائع هو أننا : " نفكر أولا ، ثم نكسو فكرنا ثوب الكلمات " . هناك دائما أثوابا جاهزة من الألفاظ ، على قدر المعانى والأفكار التى تدور فى رؤسنا .. وكل ما فى الأمر أن الثوب قد يكون ضيقاحينا وقد يكون واسعا حينا آخر .. وقد سبق ( الجاحظ ) غيره فى إدراك هذه الحقيقة . لكن ( أوسكار وايلد ) يعارض هذا بقوله : " إن الأفكار تولد دائما مكسوة لا عارية " . والواقع أن أحــدنا ، عندما يبحث عن كلمات لأفكاره ، يبحث عنها بكلمات أخرى ، وهذا تماما ما ذهب إليه ( فندرس ) بقوله : " إننا نفكر بجمل " . ومن هذا المنطلق يرى ( الفارابى ) أن : " ناطقية الإنسان هى القوة النفسانية ، المفطورة فى الإنسان ، والتى بها يكون التمييز الخاص به دون سواه من الحيوان ، وبها تكون الروية ، وبها يميز بين الجميل والقبيح من الأفعال " . ورغم أن اللغة والكلام يكونان وحدة متكاملة لا إنفصام بينهما ، و يلعبان دورا رئيسيا وبارزا باتحادهما وتأثير كل منهما فى الآخر ، إلا أن كل واحد منهما ، يعتبر منفصلا عن الآخر ومستقلا فى الأساس . ونحن نعلم أنه ليس ثمة لغة بلا فكر ، كما أنه ليس ثمة تفكير يبلغ ذروة الإفهام إن لم تصاحبه اللغة ، لذا فقد قيل : " إن اللغة والتفكير نشآ فى وقت واحد " . هذا وقد أشار ( الإمام عبد القاهر الجرجانى ) - فىكتابه دلائل الإعجاز - الى هذه القضية .. وذلك من خلال نظريته التى يتحدث فيها عن ( اللغة وارتباطها بالفكر ) والتى نوجزها فى النقاط التالية : 1 - إن ما يميز الإنسان عن الحيوان هو تمتعه بالعقل والقدرة على الإدراك والفهم .. وبالكلام أبان الله الإنسان عن سائر الحيوان ، فالإنسان إذن كائن عاقل متكلم ناطق . 2 - معنى الكلمات لا يعرف إلا من ضمها الى بعضهما ، سواء أكان أصل اللغة إلهام أم مواضعة . 3 - اللغة نظام لربط الكلمات ببعضها وفقاً لمقتضيات ولادتها العقلية . 4 - وظيفة اللغة الأساسية أن تستخدم وسيلة للإتصال بين الناس : " مما يعقل ببدائه العقول ، أن الناس إنما يكلم بعضهم بعضا ليعرف السامع غرض المتكلم ومقصوده ". وبهذا يكون " الإمام الجرجانى " قد جاء فى كتابه ( دلائل الإعجاز ) فى علم المعانى .. بنظرية متكاملة فى اللغة ووظائفها وارتباط نشوئها بالتفكير . ( 1 ) اللغة ليست إلا أداة للذهن ، فلا نزاع فى أن اللغة تؤثر من جهة على الذهن ، ومن العسير أن نفصل الذهن الإنسانى عن اللغة التى توضحه وتبين عنه . ذلك أن اللغة وكما أشار الإمام ( محمد عبده ) : " ترجمــان العقــل " . وفى السياق ذاته ، ولكن بعبارة أدق وأوضح يشير الفيلسوف الشهير ( برجسون ) الى ذلك بقوله :" ليس هنالك من فكرة فلسفية مهما يكن حظها من العمق والدقة ، إلا ويستطاع بل يحسن التعبير عنها بلغة الناس المتداولة البسيطة " . وإذا كانت اللغة حالة خاصة ناتجة عن إتحاد النفس بالبدن - كما يقولون - فإن هذا التأثير النتبادل وهذا التكامل الذى أشرنا إليها ، يماثل تماما علاقة النفس بالبدن ، فكما أن البدن ليس شيئا خارجيا غريبا عن النفس كذلك وبالمقابل ليس لأفكارنا لغة خارجية غريبة عنها : " إن أفكارنا هى لغتنا " . ( 2 ) . اللغة والفكر جانبان مشتركان ملتحمان ومتكاملان ، وإن كانا متميزين فى عملية واحدة ، أو كيان متماسك موحد .. وقد لوحظ أن التفكير لا يدرس إلا من خلال اللغة ، ولا يمكن أن تكون عمليات التفكير المجردة التى تتم فى رؤوس الناس ، لا يمكن أن تكون مجالا للدراسة والتحليل الموضوعى الذى يؤدى الى فائدة ، إلا من خلال استخدامه فى الكلام . ومن هنا كان اشتراك لفظ العقل واللغة ، أو النطق والقول ، فى اللغة اليونانية ..إن كلمة ( لوجوس ) اليونانية تعنى ( الفكــر واللغــة معــا ) ومعنى هذا أن اليونانيين لم يكونوا يفصلون بين الفكر والتعبير ..كمــا أشار الى ذلك الفرابى . والفلاسفة الرواقيون - أيضا - يرون كبعض الفلاسفة المعاصرين ، أن اللغة والفكر متطابقان ، وأن اللغة ليست مقصورة على الأصوات المتعاقبة التى تحدثها القوة الصوتية بواسطة الحلقوم ، والتى يستطيع الفم أن ينطق بها ، كما تستطيع الكتابة أن تمثلها . و تنقسم الإتجاهات الفلسفية والإجتماعية المتعلقة بطبيعة ( الصلة بين اللغة والفكر ) الى ثلاث نظريات : النظرية الأولى : نظرية العزل المطلق بين اللغة والفكر ، ونكران وجود أى أثر لأحدهما فى الآخر . ويرى أصحاب هذه النظرية ، أن الأفكار تنشأ فى رأس الإنسان قبل أن يتم النعبير عنها بالكلام ، أى أنها تنشأ دون مادة لغوية ، ودون غلاف لغوى . وهى من أقدم النظريات ويمثلها فى عصرنا الحاظر الفيلسوف الفرنسى الشهير" بيرجسون " ( 1857 -1941 ) . والقائلون بهذه النظرية ينفون وجود أية رابطة أو علاقة أو صلة بين اللغة والفكر .. مستندين فى زعمهم هذا الى إختلافهما عن وجهة النظر الطبيعية والوظيفية .. أى أنهم يرون : " أن اللغة لا تؤثر فى الفكر ولا تتأثر به لأنها وعاؤه أو أداته المادية ، أو الوسيلة التى يعبر بها الإنسان عن نفسه " . وملخص القول هو أن نظريتهم هذه تقول بوجود فكر محض من ناحية ، ولغة محضة من ناحية أخرى ، تجسده وتشكله ، وإن كانت تختلف عنه جذريا . النظرية الثانية : نظرية التطابق بين ( اللغة والفكر ) ، ويعتبر رائدها فى هذا العصر عالم النفس الأمريكى ( ووتسن ) .. عاش فى الفترة من ( 1878 - 1908 ) وهو أول من صاغها فى علم النفس بشكلها الحديث . وتقول هذه النظرية بانتفاء فكرة وجود ( فكر ) مستقل قائم بذاته ، بمعزل عن اللغة .. كذلك وبالمقابل استحالة وجود ( لغة ) مجردة عن الفكر فاللغة ، حتى وإن كانت صامة يتحدث بها المرء مع نفسه ، أو خالية من الأصوات . ولا يرث المولود عند ولادته ، شيئا آخر سوى إمكانات لغوية تتعلق بجهاز الصوت ، تعينه على التحدث باللغة مع الآخرين بصوت جهورى وعن طريق الهمس . كذلك إذا المرء التحدث مع نفسه بلغة خفية أو همساً دعونا ذلك التحدث فكراً . وقد حاول كثير من النحويين والمناطقة ، إيجاد موازنة بين المفاهيم والكلمات وموازنة بين المحاكاة والجمل .. غير أن الكلمات - كما نعرف - لا تعبر دائما عن مفاهيم : " كأدوات التعبير عن الشعور والتمنى أو أسماء الإشارة مثلا " كما أن الجمل لا تعبر جميعهاعن محاكاة منطقية ( كالجمل الإستفاهمية والطلبية مثلا ) . صحيح أن الأفكار تتولد على أساس اللغة وتتثبت بواسطتها ، إلا أن ذلك لا يعنى على الإطلاق أن اللغة والتفكير هما شئ واحد ، متطابقان تمام الإنطباق . إن قوانين المنطق قوانيين عامة للبشر حيث أن " الناس جميعا يفكرون بشكل واحد " ولكن التعبير عن الأفكار يتم بأشكال مختلفة فى شتى اللغات : " تبعا للخصائص البنيوية لكل لغة " . النظرية الثالثة : تقول هذه النظرية بوحدة ( اللغة والتفكير ) وحدة لا إنفصام لها .. ويمثلها عالم النفس الروسى " فايكو تيزكى " ( 1896 - 1934 م ) .. والفيلسوف الأمريكى " جون ديوى " ( 1859 - 1952 م ) . وملخصها .. أن اللغة وان كانت غير الفكر من حيث طبيعتها ووظيفتها .. ومن ناحية نشوئها التاريخى الا أنها مع ذلك ملتحمة به التحاما عضويا غير قابل للعزل .. فى مجرى تطور النوع الإنسانى وضمن حدود تطور الفرد من المهد الى اللحد .. ومع أن هذا الإندماج والإلتحام ليس بذورا فطرية فى الأصل ، ال أن جذوره التاريخية نشؤئية على الصعيدين الفردى و النوعى على حد سواء . الهوامش والمراجع : 1 - بتصرف : عن مجلة العرفة السورية ، العدد ( 237 ) مقالة : تحديد أصل الكلام الإنسانى ، د. جعفر الباب . 2 - أنظر كتاب ( اللغة والفكر ) . |
||||
|
خيارات الموضوع : |
||||
التعليقات
|
||
|---|---|---|
|
||
|
|
![]() ![]() |