الموازنة بين المعنى واللفظ - سنابل القلم
سنابل

سنابل القلم » البعد الآخر للكلمة : مقالات في فلسفة اللغة » الموازنة بين المعنى واللفظ

 الموازنة بين المعنى واللفظ  أضيف في: 21/06/2009
البعد الآخر للكلمة


5 الموازنة بين المعنى و اللفظ


" لقد كنت أجاهد بلا أمل فقر هذه اللغة وجمودها وبرودها ، لأنى مضطر لاستعمالها ،
ما دمت لا أعرف لغة السماء "
( لامارتين )


الإنسان العاقل يستطيع أن يلمح عالم المعنويات ، وأن يفهم الأمور المجردة التى لا يستطيع أن يدركها
بالحواس ، والكلمة ( موضوعة بإزاء فكرة ) .. والعاقل وحده ، يستطيع أن يوشىَ‎ أفكاره بالألفاظ
التى تناسبها وتظهرها فى أبهى حلة ، والعاقل كما يقال : " يكسو المعانى وشيَ الكلام ،
ثم يبديهابألفاظ كواس ، فى أحسن صورة " ( 1 )

واللغة دائما لغة إنسان يفكر ويدرك ، ليكشف عما فى نفسه من معان وأفكار بطريقته الخاصة .. وقد قيل نتيجة لهذا : " ترتيب المعانى فى النفس يقتضى على حذوها ترتيب الألفاظ فى النطق" ( 1 ) .
فاللغة إذن حس مرهف ووجدان يحمل دلالة الى معنى مقصود له جذوره وخصائصه الناشئة عن العقل المفكر .
فإن فقد هذا الوجدان شيئا من خصائصه تحول حتما الى مجرد هراء لا طائل منه .. وتحولت الكلمات نفسها الى كلم مبهم لا حرارة فيه ولا شعور .
وبقدر عقله ، يختار المرء ألفاظا تليق بأفكاره .. وقد أحسن " الجاحظ " الذى لخص هذه المعانى كلها فى كلمات معدودة فقال : " اللغــة كــلام يقصــد معنــى مفيــد " .
وهذا أيضا ما ذهب إليه ( دى سوسير ) الذى أدرك بأن معنى أى كلمة من الكلمات ، إنما هو :
" علاقــة متبادلــة بيــن الكلمــة والفكــرة " .
على المرء الذى يريد أن يعبر عما فى نفسه ، عليه أن يحسن استعمال أداة الإدراك والفهم ، ليحسن بالتالى الربط بين ( الفكرة واللفظة ) .. وذلك كى لا تصبح الكلمات مجرد أصوات مبهمة ، أو يصبح الفكر مجرد خيال ( عائم ) لا يحس ولا يدرك .
من هنا فنحن لا نوافق من يرى أن التفكير والتعبير شئ واحد .. فالكلمة المجردة عن الفكر ، تصبح مجرد صوت مبهم لا وجدان فيه .. وبالمقابل فإن الفكر وحده بلا ألفاظ هو وجدان عائم ، شعور ناقص لا يدرك ولا يرى ، عليه أن يختار ما يناسبه من ألفاظ ، عليه أن يتجزأ وينقسم ، الى كلمات وجمل ، ليسير نحو وجوده المدرك وكماله الحقيقى .
ولابد للكلمة أيضا ، وفى ذات الوقت ، من أن تستمد وجودها الفاعل وبعدها الآخر من الفكر ، وقد قيل فى هذا : " من الفكرة تنبثق الكلمة ، كما تنبثق البنوة من الأبوة " وذلك لكى تكون قادرة على تأدية وظيفة التعبير الإنسانى الراقى ، على أكمل وجه يراد .
إن النقطــة الفارقــة التى تميزنا ، عن بقية مخلوقات الله .. هى أننا نفكر .. هى أننا خلقنا لنعيش بعقولنا ومنا :" مــن يفكــر بجمــل " ومنا من يفكر بكلمات محدودة .. ومنا من يفكر تفكيرا مجردا عن الأصوات مهما صغرت أو قلت .. ومن قبل لاحظ ( ديكارت ) :
" أن من يولدون صما بكما ويكونون مجردين من الأعضاء التى يستخدمها غيرهم فى الكلام ،
قد جرت عادتهم أن يبتكروا لأنفسهم علامات دالة ، يعبرون بها عما يريدون ، ويفهمون
من تهيأ لهم بحكم صحبتهم أن يتعلموا لغتهم " .
ومن منا من لم يسمع عن تلك الفتاة البكماء العمياء ، عن ( هيلين كيلر ) التى استطاعت بالفكر وحده ، أن تتعلم لغة مكنتها من أن تفهم وتفهم .. نحن إذن : " لسنا أمام فكرة ولفظة ، نحن أمام حركة واحدة تبتدئ فى الباطن فكرة ، وتنتهى فىالخارج لفظة " .


الهوامش والمراجع :
1 - أنظر كتاب ( فى فلسفة اللغة ) .


خيارات الموضوع : ارسل الموضوع لصديق ارسل الموضوع لصديق  طباعة الموضوع طباعة الموضوع  حفظ الموضوع كملف Word حفظ الموضوع كملف Word 

التعليقات
لا يـوجـد تـعليـقات على هـذا الـموضوع




POWERED BY: SaphpLesson 4.0