أزمة اللغة - سنابل القلم
سنابل

سنابل القلم » البعد الآخر للكلمة : مقالات في فلسفة اللغة » أزمة اللغة

 أزمة اللغة  أضيف في: 21/06/2009
البعد الآخر للكلمة


7 أزمة اللغة


هل بمقدور اللفظة الجامدة أن تتسع لكل تحولات الوجدان .. ؟
هل بمقدور الألفاظ كلها أن تعبر عن خلجات الروح وتموجات الخيال .. ؟
هل بمقدور المرء أن يختار الألفاظ التى تناسبه وتناسب أفكاره بالقدر الذى يريد .. ؟
من هذه التساؤلات ، التى كثيرا ما شغلت عباقرة الأدب والفلسفة .. نبدأ حديثنا عن
أزمة اللغة .

كثيرا ما يقف المرء عاجزا ، عن التعبير عن مواجيد نفسه ، بالقدر الذى يراه مناسبا ، أو حتى مرضيا على أقل تقدير .. يقول ( جسبرسن ) :
" إن أعمق المفكرين كثيرا ما اشتكوا ، من أن لغة قومهم كانت فى بعض الأحيان ،
عائقا لهم عن التفكير فى شئ من الأشياء ، الى أعمق أعماقه "
بدأت أزمة اللغة عند الإنسان منذ أن بدأ الصراع بين الفكرة والكلمة ، بين الوجدان واللسان ، بين الرغبة فى التعبير والقدرة على التعبير .. وقديما قال ( أبو سعيد السيرافى النحوى ) :
" فقد بدا لنا أن مركب اللفظ ، لايحوز مبسوط العقل ، والمعانى معقولة ولها إتصال شديد وبساطة تامة ،
وليس فى قوة اللفظ من أية لغة كان ، أن يملك ذلك المبسوط ويحيط به ، وينصب عليه سورا ،
ولا يدع شيئا من داخله أن يخرج ولا شيئا من خارجه أن يدخل "
هذا وقد قال العديد من مفكرى عصرنا الحديث ، بهذا الرأى الذى ذهب إليه ( السيرافى ) ، فقد إكتشفوا هم أيضا أن لغة قومهم كثيرا ما تعجز عن أن تبوح بمكنونات النفس ومواجيد الفكر .
( هنرى برغسون ) فليسوف فرنسا الشهير ، وأديبها الألمعى القدير ، الذى يعتبر آنق كتاب فرنسا فى عالم الإنشاء .. ( برغسون ) الذى قيل عنه : } إنه وضع يده على مفاتيح البيان ، قلما ملكها أحد قبله ، وقلما يملكها أحد بعده { .. هذا الفيلسوف الكبير ، برغم براعته فى الكتابة ، وإجادته لطرائق التعبير .. إتهم اللغة بالعجز والقصور ، حيال ما يحوى الوجدان من أفكار وأحاسيس ومشاعر .
يقول فى ذلك : " اللغة توقف سيلان الوجدان ، وتهبط به الى المستوى العامى ، هى لا تلين ليونة العاطفة ولا تذوب ذوبان المشاعر ".
وفى موضع آخر نراه يقول : " إن مركب اللغة قاصر عن أن يحوز مبسوط المعانى .. المعانى جد بسيطة ولها إتصال شديد بعضها ببعض ، فى حين أن توجد بين الكلمات فرج وفضاءات ومسافات " .
ويحــدد ( برغسون ) اللغــة بمجموعــة ألفاظ .. حيــث يقـول بــأن اللفظـة أس اللغــة لكنــه يصفهــا بأنهــا : } جامــدة لا تتحــول { ولـذا فهـو يـرى بأنهــا عاجـزة عـن أن تجارى تقلبـات الوجـدان الـذى يصفـه بأنــه :
" تحــول مستمــر ".
إنه يرى أن الكلمة لا تحمل فى جوفها إلا الرماد والموت .. الكلمة فى عرف ( برغسون ) : " ليست ذات زخم وحرارة لاهبة { الكلمة عنده } مومياء .. جثة فارقتها الروح " .
وهى لهذا كله تحد من تدفق الوجدان ، وتقضى على حرارة العاطفة ، وتقتل خصوبة الفكر .. بل إنها كثيرا ما تفسد عفافه وتشوه صورته .
ولم يقف ( برغسون ) عند هذا الحد .. بل إنه قال بسلطان اللغة على الأديب ، الشئ الذى يرغمه على أن يشكل أفكاره وفقا لقوالبها الجامدة ، أى أنها تجمد ديمومة الفكر ، وتقضىعلى حرارته اللاهبة .. يقول فى كتابه ( رسالة فى معطيات الوجدان البديهية ) :
" نعبر عن أنفسنا إضطرارا بألفاظ ، ونفكر أغلب الأحيان تفكيرا فضائيا .. أى أن اللغة ترغمنا على أن نجعل بين أفكارنا الشقوق عينها، والفوارق الجلية الدقيقة ذاتها ، التى نقيمها بين الأشياء المادية "
كذلك لاحظ ( لامرتين ) شاعر الحب والجمال ، عجز لغته المطلق عن أن تستوعب شفافية خياله ودقائق أفكــاره ، وقـال هـو الآخر بعجــزه عن أن يسكب فــى قوالبها الجامدة الميتة ، حرارة روحه وتدفق وجدانه .. ولعل أجمل ما يصور لنا هذا ، هو ما كتبه فى تحفته الخالدة ( رفائيل ) التى يقول فيها :

" كنت أصعد بعد الغداء ، الى غرفتى العليا ، لأعيد قراءة رسالتها ، ثم آخذ فى الرد عليها .. كانت تلك أطيب ساعات أيامى وأشدها حرارة .. كنت آخذ أربعة أدراج من الورق الرقيق الكبير فأبدأ فى الكتابة من أول طرفها الأعلى الى آخر طرفها الأسفل .. دون أن أترك فيها فراغا .. ثم أعود فأدبج الهوامش ، وأطرز مابين السطور ، حتى لا أدع فيها بياضا .. أملأ هذه الصحف كل صباح ثم أشعر أنها أضيق من أن تسع خواطرى الفائضة المضطربة ، وأعجز من أن تصور عواطفى المتشبعة الملتهبة .
لم يكن لتلك الرسائل إبتداء ولا إنتهاء، لا وسط ، ولا قواعد .. لا شئ مما تواضع الناس عليه فى الإنشاء ، وإنما كان فيها نفس عارية مجردة ، أمام نفس أخرى تشرح لها جهد الطاقة ، ما يجيش فيها من شعور ، وما يعتلج بها من عواطف ، تشوه بهذه اللغة الناقصة القاصرة ، لغة الناس التى لم تخلق لشرح الغامض ، وتفسير المبهم ، وإنما هى علامات ناقصة ، وكلمات فارغة ، وجمل جوفاء ، وألفاظ باردة ، تصهرها نفوسنا بقوتها وحميتها واضطرابها ، صهر المعدن الأبى على النار، ثم تصوغ منها لغة أثيرية ، مبهمة متقدة كألسنة اللهب .. نفهمها نحن ، ولا يفهمها الناس ، لانها من نفوسنا وذواتنا .
أبدا لا ينقطع تدفق نفسى ولا يبرد ، فلو أن السماء كانت صحيفة ، أردت أن أرقم فوقها حبى ، لما وسعت هذه الصحيفة كل ما أردده فى نفسى ، وما أريد قوله .لقد كنت أفرغ من تدبيج تلك الصحتائف الأربع ، وكأننى لم أقل شيئا .
والحق أنى لم أقل شيئا .. إن الإحاطة باللانهاية ، والتعبير عنها مجال بالطل .. لقد كنت أجاهد بلا أمل فقر هذه اللغة وجمودها وبرودها ، لأنى مضطر الى استعمالها ، ما دمت لا أعرف لغة السماء .
وكانــت الجهود الخارقة ، التى بذلتها فى إخضاعها ، وتليينها وبسطها وطويها وتصويغها وتلوينها ، وإلهاب عباراتها ، أو إطفائها .. ثم الحاجة الى التعبير بكلمات عن أخص العواطف وأدقها ، وأسمى الخواطر وأرقها ، وعن نوازى القلب الجموح ، وعفة الهوى المحتشم ، والى تصوير النظرات ، والهيئات والزفرات ، والصمت والتحول ، وفناء القلب فى عبارة حبيبه النائي .
كل هذه الجهود التى كسرت القلم بين أناملى - كما تكسر الآلة العصية فى يد الفنان - مكنت لهذا القلم الكسير ، أن يجد أحيانا الكلمة ، أو الحيلة ، أو العبارة ، أو الصرخة التى يبحث عنها ليظهر الخفى ، ويبرز العقلى ، ويصور المستحيل .
لذلك أتذكر أنى كنت كلما فرغت من رسالة ، أنهض من الكرسى ، كأنى خارج من معركة شعواء ، خصومى فيها الكلمات واليراعة والطرس ، فأفتح الشباك وأعرض وجهى لنسيم الشتاء البارد ، كى أجفف ما أرفض عليه من عرق ".


لقد صور ( لامرتين ) أصدق تصوير ، الصراع الدائم بين الأفكار والكلمات ، بين رغبة الوجدان فى أن يبرز فى مظهر التعبير ، وأن يتقولب فى قالب الكلمات ، وعجز اللسان عن أن يظهر بوح هذا الوجدان .
و ( سارتر ) أيضا ، إنتهى الى القول برأيه الصريح حول ما أسماه بـ ( أزمة اللغة ) وقد قال كغيره ، بفشل اللغة حيال الفكر ، وبعجزها المطلق فى أن تعبر بأمانة ووضوح وإقتدار ، عن متناهيات الوجدان .
لكنه عالج هذه الأزمة بمنظار آخر .. فقد إلتفت الى الطرف الآخر ، الذى من أجله كان السياق اللغوى ، برموزه وإيحاءاته ودلائله المتعددة .. إلتفت الى القارئ بصفة خاصة ، والى المتلقى بصفة عامة ، ليقول له برأى المدرك لكل أبعاد اللغة وتحولاتها ، من أفكار ببواطن الوجدان ، الى كلمات ورموز اللسان .. يقول :
" على القارئ أن يتجاوز دائما حدود ما يقرأ ، لا شك أن المؤلف يدله على الطريق ، وهذا كل ما يستطيع أن يفعله ، والمعالم التى يقيمها على الطريق ، مفصول بعضها بفراغ على القارئ أن يملأه ، ثم عليه بعد ذلك أن يتجاوز هذه المعالم الى ما وراءها .
خيارات الموضوع : ارسل الموضوع لصديق ارسل الموضوع لصديق  طباعة الموضوع طباعة الموضوع  حفظ الموضوع كملف Word حفظ الموضوع كملف Word 

التعليقات
لا يـوجـد تـعليـقات على هـذا الـموضوع




POWERED BY: SaphpLesson 4.0