
| أضيف في: 15/06/2009 | ||||
|---|---|---|---|---|
صاحب العقد الفريـد التعريف بـ : " مليح الأنـدلس " : هو أبو عمر أحمد بن محمد بن عبد ربه ، كان جده الرابع مولى لهشام بن عبد الرحمن الداخل . ولد في قرطبة سنة 235 هجرية . أصيب في نهاية عمره بالفالج ، ومات بقرطبة سنة 317 هجرية ، ودفن بها بعد أن عاش نحو إثنين وثمانين عاما . ينسب إليه أبن بسام صاحب الذخيرة ، والصلاح الكتبي مؤلف فوات الوفيات ، وابن خلدون ينسبون في رواية يتناقلونها أنه أول من نظم الموشحات . الحديث عن شاعر كابن عبد ربه وعن غزله بالذات يقودنا بالطبع إلى الحديث عن ذلك الجو المميز والوسط المؤثر الفاعل الذي أثر في عامة الشعر الأندلسي . وفي هذه الدراسة المقتضبة لا أريد أن أستدعي إلى الذاكرة تلك الحقب الزاهرة من مجدنا بكل تفاصيلها ودقائقها ، بل سأقصر الحديث عن أهم عاملين كان لهما الأثر الفاعل والمؤثر في نفس شاعرنا ومن ثم على شعره وبالذات شعرالغزل موضوع دراستنا . وأول هذين العاملين ، الوسط الاجتماعي المؤثر وهو نتاج طبيعي لما وصل إليه المجتمع الأندلسي من تقدم حضاري مشهود في شتى المجالات وما صاحب هذا التقدم من مؤثرات حضارية كمظاهر الترف واللهو والمجون ،وبالذات في قرطبة حاضرة الدولة الأندلسية .. التي كانت تستقبل المغنين والمغنيات – كما تستقبل أقطاب العلم والمعرفة والأدب – وكان لهم في القصر وفي قلوب الناس مكانة ومنزلة تضاهي مكانة ومنزلة الشعراء والأدباء . ولذا فقد لعب هؤلاء دورا بارزا ومؤثرا في حياة المجتمع الأندلسي وبالأخص في تطور الغناء والشعر الغزلي بالذات .. الشئ الذي أدى إلى التجديد والرقة والبساطة في الغزل ، كما أدى أيضا إلى ظهور الموشحات التي سبقت بها الأندلس بقية أصقاع العرب . ووسط هذا الجو الفاعل في حركة الشعر ونفوس الشعراء نشأ ابن عبد ربه منعما مترفا محبا للهو والطرب مولعا بسماع الغناء . ذكر الفتح بن خاقان ان الغناء الذي سمعه ابن عبد ربه وهو مار تحت قصر أحد الرؤساء بقرطبة } أذهب لبه ، وألهب عقله { فكان أن تناول رقعة كتب عليها إلى صاحب القصر ، يسأله الإذن في سماع المغنية : لو أن أسماع أهل الأرض قاطبة أصغت إلى الصوت لم ينقص ولم يزد لولا اتقائي شهابا منك يحـرقني بناره لاسترقـت السمـع مـن بعـد فـلا تضـن على سمعي تقلـده صوتا يجول مجال الروح في الجسـد لـو كان زرياب حيـا ثم أسمعه لـذاب من حسـد أو مـات من كمـد أمـا النبيـذ فإني لست أشربـه ولسـت آتيـك إلا كسرتـي بيــدي ولم يقف ابن عبد ربه عند حب الغناء والشغف بسماعه ، بل لقد سلك إليه سبل اللهو المتعددة كالشراب ومجالسة النساء في أماكن اللهو . لقد سار خطوة أخرى في اتجاه المجون ، حيث لم يقتصر في غزله على مغازلة الحسان ومعاقرة الخمرة في مجالس اللهو ، بل تذبذب بين المذاهب ليختار منها ما يوافق مزاجه في اللهو والعبث ، وتحرر في سبيل ذلك من كل قيد . . ديننـا في السمـاع دين مدينـي وفـي شربنـا الشراب عراقـي وفي كتابه " العقد الفريد " نجد ما يدلنا في غير موضع على هذا الشغف الشديد بحب الغناء وسماع المغنيات ، كقوله : } وبعد فهل خلق الله شيئا أوقع بالقلوب وأشد اختلاسا للعقول من الصوت الحسن إذا كان من وجه حسن .. ؟ { ونحن نراه في شعره مصداقا لقوله هذا ، يفضل الصوت الحسن والوجه الحسن ، ذلك أن هذا الصوت بالنسبة له ، كما أشار آنفاً : } صوتا يجول مجال الروح في الجسد { وهو كما لاحظنا أيضا لا يريد من صاحب القصر نبيذا ولا خبزا ، إنه فقط يريد أن يمتع العين ويسلي النفس بمشاهدة وسماع تلك المغنية الحسناء : أمـا النبيـذ فإني لست أشربـه ولسـت آتيـك إلا كسرتـي بيــدي ولعل في شغفه وحبه الغناء والطرب ، يكمن السبب الوجيه الذي قاده في نهاية المطاف إلى دور اللهو ومجالس الشراب ، ومن ثم التغزل في جواري اللهو والغناء . وفي كثير من غزلياته التي يرد بها ذكر للشراب ومتع اللهو الخرى ، نراه يقدم هذه المتع على متعة الشراب كقوله : كلما علني من الراح صرفا علني بالرضاب من شفتيه ناول الكأس واستمال بلحظ فسقتني عينـاه قبل يديه فهنا نراه يعطي مجال الحركة الخصبة ، في توالد الحسن بعضه من بعض زيادة مع النظر مطردة ، الشئ الذي أفقده عقله قبل أن يفقده بفعل الخمرة .. إنه تأكد صريح على صدق قوله السابق عن " الصوت الحسن والوجه الحسن " . فهو إذ يهم بشرب الكأس تكون نشوة الجمال وسكرالعيون قد بلغا منه غايتهما قبل أن تصل يده إليه . لقد كان في شبابه محبا للمتعة في شئ من التحرر ، فكان يشرب ويطرب ويلهو ، وهذا كله أثر من آثار حبه وشغفه الشديد بالغناء والطرب : قد تغنـى كما استهل يغني ساق حـر مغرد فوق ساق ينثر الدر في المسامع نثرا بيـن در منظـم مستــاق ولهذا الشغف غير المحدود بحب الغناء أثره الواضح على شعره الغزلي بصفة خاصة ، وهذا ما سنحاول أن نصل إليه من خلال الصفحات التالية . والعامل الثاني المؤثر في شعره وفي غزله بالذات " الطبيعة الأندلسية الساحرة " .. فالمجتمع الأندلسي الذي بلغ فى مدارج الحضارة والتقدم قدرا عاليا ، كان – كنتيجة طبيعية لذلك – أن بلغ به الذوق مـن الرقة وتذوق الفنون الجميلة الشئ الذي جعله يعشق الشعر والموسيقى ويهتز للإنشاد الجميل والغناء الحلو ، ويعشق أيضا " الطبيعة " بجمالها الذي ملك عليه الحواس ، جمالها المتمثل في سهولها وجبالها وأنهارها وما تمتاز به من مباهج ومحاسن ومفاتن . ولذا فقد عاش الأندلسي مغردا بها ولها . . تأسره الأنهار الجاريـة والبساتيـن الخضراء ، والبحيرات الرائقة الصافية والأنوار الساطعة والجبال الشماء ، التي تغطي قممها الثلوج وسفوحها الأشجار والورود والنباتات الجميلة . من هذا المجتمع الذي وهبه الله ، إلى جانب جمال الطبيعة ، سبل التقدم والحضارة .. فكانت وسائل الثقافة والعلم والمعرفة متاحة للناس ، في وقت كانت فيه أوروبا لا تعرف الكتابة ولا القراءة . من هذا المجتمع ، خرج ابن عبد ربه وغيره من الأدباء والشعراء الذين أثرت فيهم طبيعة بلاد الأندلس أثرا واضحا، نراه ونحسه في آثارهم التي خلفوها لتشهد بعظمة الطبيعة وبالأخص في شعرهم العاطفي . وقد تنبه عدد من مؤرخي الأدب العربي لهذه الحقيقة منذ أزمان طويلة .. يقول المقري في نفح الطيب في شعراء الأندلس : } إنهم إذا تغزلوا صاغوا من الورود خدودا ، ومن النرجس عيونا ، ومن الآس أصداغا ، ومن قصب السكر قدودا ، ومن قلوب اللوز وسر التفاح مياسما ، ومن ماء العنب رضابا { فانظر لترى مصداق هذا في قول ابن عبد ربه : للورد حيـن ليس يطلـع دونه والورد عندك كل حين يطلـع لم تنصدع كبدي عليك لضعفها لكنهـا ذابـت فمـا تتصـدع من لي بأجرد ما يبين لسانـه خجـلا وسيف جفونه ما يقلع منع الكلام سوى إشارة مقلـة فيها يكلمني وعنهـا يسمـع فهو وكما يشير الى ذلك المقرى فى قوله السابق ، يشبه خدودها بالورد ، وهذا أثر من آثار الطبيعة الأندلسية الساجرة . ويقول أيضا : ويقوله : نلاحظ من هذه الأبيات أثر الطبيعة بورودها وياسمينها ونرجسها ، وكذلك أثر البيئة المتمثل في حياة اللهو والترف التي كان يعيشها الشاعر . ولقد التقى هذان الأثران وامتزجا ، فكان لهذا الامتزاج الطبيعي هذه المرسيقى الشعرية ذات الكلمات العذبة الرقيقة ، وبالأخص تلك التي تتحدث عن الغزل وألف النساء . وقد لا أجانب الصواب إذا قلت إن الطبيعة بكل أشيائها الرائعة والبيئة بنعمها وحياتها المترفة ، كانتا معا تقفان وراء هذا الشعر العذب الرقيق ، الذي تدفق بمشاعر وأحاسيس صادقة . هذا الشعر الذي امتزجت فيه أوصاف المرأة بأوصاف الطبيعة امتزاجا جعل منه – وهو يصدر من عواطف إنسانية وانفعالات وجدانية – شعرا رائعا وراقيا ، ينم عن رقة في الوجدان وحساسية في الانفعالات التي تنفعل لكل شئ جميل . ونحن نعلم أن الشعر الجميل فن جميل ، ينشأ من الناحية الوجدانية للنفس الإنسانية ويعبرعن العواطف والانفعالات التي تحس بوجودها وتأثيرها عندما يجسدها الشاعر في قوالبه الشعرية الراقية إلى وجود حقيقي. ولعل المرء يجد نفسه مدفوعا لأن يقول ، إننا نرى في الشعر الأندلسي الذي يمجد الطبيعة شيئا من نفحات الرومانسية التي ظهرت أخيرا . وقد يكون هذا القول خاطئا ، ولكنني أردت من خلاله أن أبين إلى أي حد وصل المجتمع الأندلسي في التعبير عن مشاعره وأحاسيسه إزاء كل الأشياء الرائعة كما يعبر شعراء الرومانسية اليوم . نرجع إلى شاعرنا ابن عبد ربه الذي تأثر بالبيئة والطبيعة فطفق يقول متغزلا : وتصدفت فأشرق الصبح منها بين تلك الجيوب والأطواق يا سقيم الجفون من غير سقم بين عينيك مصرع العشاق إن يـوم الفـراق أفظع يـوم ليتني مت قبل يوم الفراق في هذه الأبيات .. نرى المعاني سائغة محببة إلى النفس لأنها معاني ألفة ومحبة ، وإن كنا نرى فيها أيضا شيئا من الدموع والزفرات وخوف تباريح الفراق ، والعاطفة فيها قوية صادقة عنيفة ، والألفاظ رقيقة عذبة سهلة متأثرة بالبيئة كما أشرنا . وانظر إلى هذا المعنى المألوف الذي وضعه الشاعر في قالب مبتكر : فهو لم يكتف بأن شبه وجنتيها بالورد ، وإنما تعدى ذلك إلى أن جعلها وردا حقيقيا وغير حقيقي ، فهو ورد في لونه وجماله وتفتحه وأوصافه الجميلة وهو من جهة أخرى ليس كالورد المعروف الذي يتقيد بالمواسم والفصول وإنما ورد وجنتيها يتورد ويزهر ويطلع في كل وقت وحين . بزت الشمس نورها وحباها لحـظ عينيه شادن خرق ذهب خدهـا يذوب حيـاء وسـوى ذاك كلـه ورق فأنت تلاحظ هنا أن معظم صوره ومعانيه صادرة من القلب بلا تكلف أو صنعة أو تركيب .. واضحة الكلمات رقيقة المعاني لا تعقيد فيها ولا اغراب . وانظر إليه يصف فتاة تبكي : إنه تشبيه رائع وجميل ، وهو نفسه أي الشاعر ، قد أعجب به فهو يقول عن هذا البيت : } إنه من رقة التشبيب وحسن التشبيه والبديع الذي لا نظير له ، والغريب الذي لم يسبق إليه { وللحقيقة فإن جل أبياته ، لا يكاد القارئ يفرغ من قراءتها ، إلا ويحس بالإعجاب بها وببراعة الشاعر وحسن تعبيره عن شعوره وعواطفه ، ولم لا وشعره يمثل الفن الأندلسي بوجه عام ، من حيث السهولة ورقة اللفظ ولينه وعذوبته ، وعدم تحميله أكثر مما يطيق من المعاني . وكل هذا تقف من ورائه ، الطبيعة الساحرة الجميلة التي كانوا يعشقونها ويتغزلون بها ، كالمرأة سواء بسواء .. فالشاعر الأندلسي الذي عشق الطبيعة والمرأة بقلب واحد ، وفي آن واحد ، ما كان له والقلب لا يتسع لمعشوقين إلا أن يمزج هذين المعشوقين . وقد فعل ذلك ، فكان يرى الطبيعة من خلال المرأة ويعتبر المرأة جزءا من مظاهر الطبيعة الرائعة التي منحها الله للإنسان . غـزلـه : ضرب ابن عبد ربه في الغزل بسهم وافر ، فأكثر شعره وإجوده يدور حول الغزل . . وغزله يمثل الفن الأندلسي بوجه عام . ولغزله سمات يتميز بها وينفرد دون غيره ، وهذا راجع لعدة أسباب لعل من أهمها كونه أديبا قبل أن يكون شاعرا . ويظهر أن الإعجاب الذي ناله من القدماء إنما كان لشعره الغزلي وذلك لأنه يتصف برقة المعنى وسهولة اللفظ وعذوبته ، كذلك فإننا نجد في شعره الغزلي تلك العاطفة العذبة الصادقة التي لا نجد لها مثيلا في شعره غير الغزلي . فهو في غزله جميل الديباجة جيد السبك واضح المعنى ذو ألفاظ رقيقة عذبة ، فيها رشاقة وعليها طلاوة ولها رونق وحلاوة . ولعل هذا كله راجع إلى رقة نفسه سمو فكرة ونقاء بصيرته . . يقول ابن عبد ربه معبرا عما يختلج في نفسه من أحاسيس ومشاعر ويصورها تصويرا دقيقا : وتطلعـت بين الحدوج كأنهـا شمس تطلع في خـلا غمـام وشكت تبايج الصبابة والهوى بمدافـع نطقت بغيـر كـلام كمهاة رمل قد تربعت الحمـى بين الظبـاء العفـر والآرام حتى إذا ضرب المصيف رواقه صافت بظـل أراكة وبشـام فهو في تصويره يعتمد في تشكيل المعاني والصور على عدة وسائل معظمها صوتي تتضافر على خلقه الحروف وتفسيم الكلمات الموسيقية ومن ثم يسوق التشبيه مؤكدا على هذه الحركة ذاتها . فهو في وصفه لمحبوبته . . تارة كالشمس التي تبدو من خلال الغمام . . وتارة كالمهاة بين الظباء والآرام وغزله بصفة عامة يمتاز بالرقة والسهولة في غير ابتذال ، فكلماته رقيقة عذبة تحكي نوازع نفسه الرقيقة لأنه مدار ألف النساء . . وفي اعتقادي أن ابن عبد ربه ، في صدق تجربته الشعرية وسمو شعره الغزلي ، قد عاش تجربة حب صادقة ، فكان أن صدرت منه هذه الأبيات الرقيقة التي لم تنم عن صب متيم خاصة وأنه يقرر ذلك بنفسه في غير موضع . . ألا ترى ذلك في البيت الثالث من المقطوعة الثالثة : فهو إذن كابن زيدون الذي قيل عنه أنه : " شاعر عاش التجربة في الحياة الأندلسية ، وعرف الحب في أرقى مراميه . . كان شاعرا يذكرنا بشعراء الغزل العذري من الناحية الفنية في انشغال وجدانهم وانطلاق نفوسهم على الرغم من اختلاف التجربة ". وإذا ما عدنا إلى للأبيات السابقة نجد أن كلماتها ومعانيها هي نفسها الكلمات والمعاني التي تجدها في أغلب الشعر العذري من حيث أن المحبوبة فيه تمثل رمز المحبة والألفة والسعادة ونجد المحبوب قد سما بحبه وحلق في سموات الأماني والأحلام في غزله الطاهر العفيف . . تنساب كلماته من أعماق نفسه المحبة الوالهة كأنها الألحان العذبة أو تغريد العصافير الجميلة . لشعره سمتان واضحتان هما ( البساطة والغنائية ) . أما عن البساطة فذلك لأنه كغيره من شعراء الأندلس نجد أن الغزل عنده حسي . . ينظر للمرأة نظرة حسية مجردة ويصفها بأوصاف تقليدية كتلك التي نراها في شعرنا المشرقي ، فأكثر شعره تتضح فيه بساطة الفكرة بحيث لا تظهر فيها محاولة التعقيد أو التركيب أو التفلسف . استمع إليه في هذه الأبيات ترى تأثره بأشعار شعراء المشرق واضحا : لعمـري لقد باعدت غير مباعـد كمـا أننـي قربـت غيـر مقـرب بنفسي بـدر أخمـد البـدر نوره وشمس متى تبدو لي الشمس تغرب لو أن امرأ القيس بن حجر بدت له لما قـال "مرابـي على أم جنـدب" فالصورة الشعرية قريبة المعنى بسيطة يسهل إدراكها وتوشك أن تلمس وتحس . .وذك لوضوح الفكرة وبساطتها واختيار الألفاظ الواضحة التي لا تحتاج إلى إمعان الفكر وتقليب الرأي في معنيها ، كذلك فإن أسلوبه يبدو بسيطا سهلا يبلغ من السهولة أحيانا أن يذكر جزء من البيت فيوشك أن يكلمه السامع بنفسه . . ألى ترى صدق هذا في قوله : أم تـراك قـاتلتـي بالـدلال والغنــ،ـج من لحسن وجهك من سـوء فعـلك السمـج عـاذلـيّ حسبكمـا قـد غرقـت في لجـج وهل عليّ ويحكمـا إن لهـوت من حـرج غير أن هذه البساطة والسهولة في المعاني والأفكاركثيرا ما نجدها تتعدى كونها مصدرا لجمال شعره إلى السطحية والسذاجة مثل هذه السطحية نجدها في البيت الثالث الذي يقول : فهو ينتقل بك من مباشرة من حسن الوجه وجماله وما يوحيانه لك من معان سامية ومحببة إلى النفس إلى قوله : " من سوء فعلك السمج " ، فالفعل السمج في هذا يقابله في الشطر الأول حسن الوجه . . وبذلك تكون مثل هذه البساطة نوعا من الابتذال والتفاهة التي تقلب المعاني الغزلية رأسا على عقب . وانظر إلى قولـه : وأسلمتـه فـي يـده عيشـه أم قتــلا قلبـي به في شغـل لا مـل ذاك الشغلا قيـده الحـب كمـا قيـد راع جمــلا أما السمة الثانية في شعره فهي الغنائية ، وأعني بها غلبة الجانب الموسيقي والعاطفي وشيوع الرقة والسلاسة ، فهو عندما يكتب في لوعة الحب وانصراف الغواني عن العاشق مع انصراف شبابه فإنه يأتي بالطريف من المعاني في ثوب من جيد الشعر ورقة الإيقاع . ومن جيد قوله في هذا المعنى : وإذا دعونك عمهن فإنــه نسبـا يزيدك عندهـن خبـالا وقد روي أن هذين البيتين قد تأثر بهما " إبن زيدون " دون شك حين كان يبكي حبه ولادة بنت المستكفي مغتربا في البلاد سائحا في الربوع ضاربا في مشارق الأندلس ومغاربها . أم ياقوت فإنه يقول عن هذين البيتين : " إنهما من أروع شعره السائر " . ولعل مما يكسب شعره هذه السمة البارزة هي كونه أحد الشعراء الذين عرفوا اللغة العربية معرفة جيدة ، فهو قد أتقن أساليبها وخبر أنماطها وأجاد صياغة التعبير بها كتابة وشعرا . يضاف إلى ذلك أنه كما وصف من قبل " شاعر ذو وجدان حساس تتجمع في وجدانه الفكرة الناطقة وينطلق خياله انطلاقا رائعا " . فهو إذن أديب وشاعر وكاتب متمرس له في مجال الكتابة والتأليف باع طويل وهذا له أثره الواضح في الشعر . يقول ابن رشيق : " والكتاب أرق الناس في الشعر طبعا وأملحهم تصنيفا وأحلاهم ألفاظا وألطفهم معاني وأقدرهم على تصرف وأبعدهم عن تكلف " . هذا وللمتنبي في شعر ابن عبد ربه رأي جميل وإعجاب باد . . ذكر الفتح بن خاقان مؤرخ شعراء الأندلس : أن الخطيب أبا الوليد بن عباد مر على مصر في طريق عودته بعد أداء فريضة الحج وتطلع إلى لقاء المتنبي . وكا إذ ذاك في مصر . . فصار إليه حيث كان جالسا في مسجد عمرو بن العاص ، وبعد أن جرى بينهما بعض الحديث قال له المتنبي : أنشدني ( لمليح الأندلس ) يعني ابن عبد ربه ، فأنشده : ما أن رأيت ولا سمعت بمثلـه درا يعود من الحيـاء عقيقـا وإذا نظرت إلى محاسن وجهه أبصرت وجهك في سناه غريقا يا من تقطع خصره من رقـة ما بال قلبـك لا يكون رقيقـا فلما أكمل أبو الوليد إنشاده استعاده المتنبي ثم قال : " يا ابن عبد ربه لقد تأتيك العرق حبوا " . ولعل ذلك راجع إلى أنه يملك الفكرة الواضحة والانفعال الصادق الذي يجذب الأفكار والعبارات إليه ويعرض الصور بطريقة لا تكلف ولا صنعة فيها ، لهذا فليس هناك كبير غرابة في إعجاب المتنبي بشعره . سلك ابن عبد ربه في شبابه طريق اللهو والمجون ، عابثا لاهيا ، يرتاد مجالس الشراب ، ويجالس النساء، ويطرب طربا شديدا لسماع الغناء . وإذا ما سلمنا بصدق الرواية التي رواها الفتح بن خاقان التي مرت بنا آنفا ، والتي ذكر فيها أن ابن عبد ربه سمع صوتا جميلا (أذهب لبه وألهب قلبه ) اتضح لنا إلى أي حد كان شغوفا باللهو والغناء محبا للشراب مكثرا من قول الغزل . هذا بالإضافة إلى الكثير من الأدلة والشواهد التي نجدها في آثاره النثرية والشعرية . . وهي وحدها كافية باإلزامه الحجة وإقامة الدليل على سلوكه طريق اللهو والمجون في شبابه . يقول في عقده : ( وبعد فهل خلق الله شيئا أوقع بالقلوب وأشد اختلاسا للعقول من الصوت الحسن إذا جاء من وجه حسن ) . كذلك وكما مر بنا . . نجد في شعره الكثير مما يدل على سلوكه هذا المسلك . . يقول في إحدى مقطعاته الغزلية : وهذا شاهد آخر من شعره يرينا إلى أي حد قاده عبثه حتى تحرر من قيود الدين ، فها هو يتذكر في أخريات عمره ليقول : عاش إذن متحررا من كل قيد . . مسخرا الدين لمتعته وهواه يقرر هو نفسه هذا في غير موضع ، وفي شئ من الحنين إلى ماضيه الماجن الذي يتلذذ بذكره . . جعلت الغـي سربالـي وكان الرشد بـي أولى لكنه بعد هذا كله يرجع معترفا باسرافه ومقرا بذنوبه . لقد رأينا في هذين البيتين الإشارة الأولى على ظهور الوازع الديني عنده وبالذات في الشطر الثاني من البيت الثاني . لقد قلب اعتقاده راسا على عقب حيث كان يقول : " وكان الغي فيه من رشادي " . التغير المفاجئ لا نعتبره تناقضا فيما يقول بقدر ما نعتبره نقطة البدء أو الشعرة الرقيقة أو النبتة الصغيرة لبذرة الإيمان التي بدأت تضرب جذورها في أعماقه . فها هي النبتة تكبر ، وها هو يحملها في قلبه ويتدرج بخطى وئيدة في الاتجاه الآخر . . شئ ما ينطلق من أغوار نفسه مؤنبا ومنذرا . . ما ذا يقول له . . استمع : احتدم الصراع في داخله بين نفسه المحبة الراغبة في اللهو والمجون . . وبين ضميره المؤنب المحذر من موت المفاجأة وزوالالنعمة ودوام النقمة . إنه شعور صارخ بالهلاك ودنو الأجل . . شعور ينتاب كل من يبلغ من العمر أرذله . . شعور من يهن العظم منه ويشتعل رأسه شيبا . ها هو في أخريات عمره يرجع إلى الله في دعوة ضارعة صادقة . . لقد أقلع في كبره عن صبوته وتاب وتنسك وأخلص لله في توبته . . وانصرف عن قول الغزل إلى أشعار الزهد في دعوة ضارعة إلى الله تعالى مقرا بذنوبه ونادما على إسرافه ولهوه . وقد سلك في زهدياته مسلكا آخر لم يسبق إليه أحد قبله فهو لصدق توبته وندمه على ما كان منه أيام الصبى والصبابة والغزل . . فهو لم يكتف بأن يجعل من هذه الزهديات مجرد قصائد أو ابيات يهتتم فيها ويشكو هموم الكبر وشكوى الشيخوخة . . وإنما عمد إلى شعر شبابه في الغزل فنقض كل قطعة منه بقطعة أخرى ، ملؤها المواعظ والحكم علو وزن الأولى وقافيتها وأطلق عليها اسم " الممحصات " ، كأنه يرجو أن يمحص الله بها عن ذنوبه ويطهره منها . . عاين بقلبـك إن العيـن غافلـة عن الحقيقة واعلم أنهـا سقـر سوداء تزفر من غيظ إذا سعرت للظالميـن فلا تبقـي ولا تـذر لو لم يكن لك غير الموت موعظة لكان فيه عـن اللذات مزدجـر أنت المقـول له ما قلت مبتدئـا " هلا ابتكرت لبين أنت مبتكر " يقول في ذلك : ما زلت أبكي حذار البين ملتهبا حتى رثى لي فيك الروح والمطر يا بردة من حيا مزن على كبدي نيرانها بغليـل الشـوق تستعـر آليـت ألا أرى شمسا ولا قمـرا حتى أراك فأنت الشمس والقمـر لابن عبد ربه في الشعر منهجه الخاص وطابعه المميز ، فهو لا يتقيد باتجاه معين ولم يكن – كما يعتقد الكثيرون – يقلد المشارقة أو يأخذ عنهم . . وإنما كان دائما يحاول أن يثبت قدرته على الإتيان بما لم يستطعه المشارقة أنفسهم . . كان عن جدارة رائدا للتجديد والابداع ، فهو قد بلغ بالشعر الغزلي إلى قمة الخلق والإبداع ، وهو رائد ( الممحصات ) التي لم يسبق إلى مثلها أحد من قبله . وهو بالتالي رائد ( الموشحات ) على رأي الكثيرين ، فمن الثابت أن ابن بسام صاحب الذخيرة ، والصلاح الكتبي مؤلف فوات الوفيات ، وابن خلدون ، هؤلاء كلهم ينسبون رواية يتناقلونها مفادها " أنه أول من سبق إلى نظم الموشحات " . هذا وقد كان ابن عبد ربه ينافس المشارقة وذلك ليثبت لهم قدرة شعراء الأندلس على صياغة الشعر وفي المواضيع نفسها التي يقول فيها شعراء المشرق . وهو بالتالي لم يتخذ لنفسه إماما من شعراء المشرق وإنما كان يعارضهم ليثبت أنه مثلهم أو أقدر منهم ، ولعل هذا التنافس راجع في الأساس إلى التنافس والخلاف الذين كانا بين الأمويين في الأندلس والعباسيين في الشرق العربي . وإذا ما رجعنا إلى قصيدته التي عارض بها مسلم بن الوليد التي مطلعها : أديرا على الراح لا تشربا قبلـي . . . نجده يعلن في نهاية قصيدته بقوله : ( فمن نظر في سهولة هذا الشعر مع بديع معناه ورقة طبعه لم يفضل شعر مسلم عنده بفضل التقدم ) . فهو إذن لم يكن يسير في ركاب المشارقة وإنما كان يعارضهم ، وكما أشرنا ، ليثبت تفوقه عليهم ، فهو يعتد بعلمه وأدبه . وفي الحق أنه ذو ثقافة أدبية واسعة وطبع فني أصيل متأثر بالروح الأندلسية التي تدفعه دائما إلى أن يؤكد مقدرته وعدم تخلفه عن المشارقة . يقول في معارضته لمسلم : أطـلاب ذحلى ليس لي غير شـادن بعينيه سحر فاطلبوا عنـده ذحلي أغـار علـى قلبـي فلمـا أتيتــه أطالبـه أغـار علـى عقلـــي بنفسـي التي ضنت بـرد سلامهـا ولو سألت قتلي وهبت لها قتلـي إذا جئتهـا صـدت حياء بوجههـا فيعجبني هجـر ألـذ من الوصـل وإن حكمـت جارت علـي بحكمهـا ولكن ذاك الجور أشهى من العـدل كتمـت الهـوى جهدي فجرده الأسى بماء البكـا هذا يخـط وذا يملـي وأحببـت فيها العـدل حبا لذكرهـا فلا شئ أشهى في فؤادي من العذل أقـول لقلبـي كلما ضامـه الأسـى إذا ما أتيت العـز فاصبر على الذل برأيــك لا رأي تعرضـت للهـوى وأمـرك لا أمري وفعـلك لا فعلـي وجدت الهوى نصلا من الموت مغمدا فجردتـه ثم اتكيـت على النصـل فإن تـك مقتـولا على غيـر ريبـة فأنت الذي عرضت نفسـك للقتـل وإذا ما استعرضنا الصور والمعاني التي صاغ منها معارضته نرى أنها لم تكن تقليدا مطلقا للشعر المشرقي كما ذهب البعض إلى ذلك . . وإن كنا نجد فيها شيئا من الروح المشرقية التي درج عليها أغلب شعراء العربية في الشعر الغزلي بصفة خاصة من عصر الجاهلية إلى عصر ابن عبد ربه وذلك كنظرتهم للمرأة نظرة حسية مجردة . إذا ما استثنينا هذه النغمات المشرقية فإنن نجد في المقابل الطابع الأندلسي المميز بصوره ومعانيه الرقيقة. هذا الطابع الذي تأثر بعدة عوامل منها : استقلالهم عن الشرق العربي داخل مجتمعهم الصغير الحديث الذي اختلط بالجنس الأوروبي اختلاطا مباشرا أدى إلى أن شهدت الأندلس الصراع الحقيقي بين المسيحية والإسلام كذلك فإن للعامل الجغرافي أثرا فاعلا في شعرهم ونثرهم . فنحن نرى نتاجهم يكاد يكون وصفا حيا لتلك الطبيعة الفاتنة الساحرة . أيضا فإن حياتهم المنعمة المترفة التي كثرت فيها دور اللهو والطرب وحياة البذخ والنعيم ، فهم قد استمدوا من كل هذه معانيهم الحسية ومن بيئتهم بصفة خاصة التي غرقت في لذات الحياة وسمات الرقة والبساطة الغنائية . وبذلك استطاعوا أن يرقوا بشعرهم ويتفوقوا على المشارقة في كثير من مناحيه وخاصة في شعر الوصف وبعض الغزل الحسي . . من هذا المنطلق ، ومن هذه الحساسية الرقيقة انطلق ابن عبد ربه يشدو بشعره في سموات المجد ، ومن هذا الشعور والإحساس كان يرى أن لا يمكن أن يعجز العقل الأندلسي عن الإتيان بمثل ما توصل إليه العقل المشرقي . . وابن عبد ربه، بالإضافة إلى هذا كله ، شاعر عاصر مدارس عدة وشاهد اتجاهات مختلفة وهو بالتالي نشأ محبا للقراءة مكثرا من تتبع الأساليب الأدبية ، ولذا ما كان عليه أن يلتزم اتجاها معينا أو أن يكون مقلدا لغيره وهو ذو حصيلةأدبية غنية ومعرفة بكل الاتجاهات دقيقة ووافية . ولقد أثبت لنا ، وكما أراد من محاولاته ، أنه ذو شخصية أدبية متميزة وملامح واضحة . . ولم يكن ليفضله غيره إلا بعامل الزمن . . كما يقرر هو نفسه في غير موضع من عقده الفريد . المراجـع 1. العقد الفريـد . . . لابن عبد ربه . 2. العمـدة . . . لابن رشيق . 3. شعر ابن عبد ربه وعقده . . . محمد بن تاويت . 4. ابن عبد ربه وعقده . . . د. جبرائيل جبور . 5. في الأدب الأندلسي . . . د. جودت الركابي . 6. الأدب الأندلسي من الفتح إلى سقوط الخلافة . . . د. أحمد هيكل . 7. مناهج التأليف عند العرب . . . د. مصطفى الشكعة 8. تاريخ الأدب العربي . . . د. عمر فروخ |
||||
|
خيارات الموضوع : |
||||
التعليقات
|
||
|---|---|---|
|
||
|
|
![]() ![]() |