الطريق إلى عمر المختار 8 - سنابل القلم
سنابل

سنابل القلم » الطريق إلى عمر المختار » الطريق إلى عمر المختار 8

 الطريق إلى عمر المختار 8  أضيف في: 11/06/2009
" 8 "
" وأخيرا وعلى جواد صغير لفت حوافره بالقماش جاء عمر المختار .. يحرسه رجلان واحد عن يمينه وآخر عن شماله .. ويتبعه عدة رجال آخرين .. وعندما وصل إلى الصخور التي كنا ننتظره عندها .. ترجل من على جواده بمساعدة أحد رجاله .. وقد لاحظت أنه يتحرك بصعوبة بالغة ..علمت بعد ذلك أنه قد جرح - منذ عشرة أيام - في إحدى المناوشات " .


عرين الأسود

ثلاث ليال أخرى أوصلتنا إلى غابات أشجار العرعر الكثيفة بالجبل الأخضر .. وهناك استبدلنا جمالنا التي أرهقها السفر المتواصل ، بخيول كانت تنتظرنا في مكان منعزل ، في رعاية مجموعة من المجاهدين .
تركنا الصحراء خلف ظهورنا ، وشققنا طريقنا عبر هضاب مليئة بالتلال والصخور .. تفصل بينها وديان جافة ، وتنمو فيها أشجار العرعر التي تتشابك في الغالب ، لتشكل غابات كثيفة يصعب اختراقها .
هذه الأرض البرية ، التي تقع في قلب الأراضي التي يحتلها الإيطاليون .. هي ساحة صيد المجاهدين ومكانهم الجهادي المفضل .
كلمة السر
بعد ذلك بأربع ليال ، وصلنا إلى وادي " التعبـان " .. وقد كان اسمه هذا ، يحاكي تماما واقع حالنا .. هنا في هذا المكان سنقابل عمر المختار .. اختبأنا بواد صغير ملئ بالأشجار الجبلية المتشابكة بشكل كثيف .. وربطنا خيولنا خلف بعض الصخور.. وجلسنا هناك في انتظار قدوم أسد الجبل الأخضر .
كان الليل شديد البرودة .. والسماء بلا نجوم ، والمكان يخيم عليه الصمت ، ويطوقه الظـلام .. وكان علينا الانتظار لبضع ساعات قبل أن يحضر سيدي عمر .
ورغم عتمة الليل التي كانت تطوق الأرجـاء .. فقد رأى دليلانا البرعصيان ، ضرورة الذهاب إلى آبار ( بوصفية ) للتزود بالماء .. كانت تلك الآبار تقع على بعد أميال معدودة باتجاه الشرق .. بالقرب من نقطة إيطالية محصنة - تبعد عنها بأقل من نصف ميل – لكن ذلك لم يحل دون الذهاب إلى هناك .. وقد علق خليل على ذلك بقوله :
- لن يجازف أولئك الأوغاد على ترك جدرانهم المحصنة في ليلة مظلمة كهذه .
أخذ خليل وزيد قربتين فارغتين .. وركبا جواديهما واختفيا في الظلام .. وذلك بعد أن لف كل منهما حوافر جواده بقطع من القماش .. كي لا تحدث أصواتا عند ارتطامها بالصخور .. وبقيت أنا وعبد الرحمن في مكاننا .. بجانب بعض الصخور المنخفضة .. وقد التصق كل منا بالآخر طلبا للدفء .. حيث كان إيقاد النار ضربا من المجازفة الخطرة .
بعد ساعة أو نحوها تناهت إلى أسماعنا ، أصوات خشخشة أغصان أشجار العرعر .. تلاه صوت خفيف لارتطام نعل بحجر .. وعلى نحو مفاجئ أمسك رفيقي ببندقيته وهب واقفا وشرع يحدق في الظلام .. ولم تمض سوى لحظات ، حتى سمعنا من داخل الغابة صوتا هادئا ، أشبه بعواء ابن آوى .. عندها وضع عبد الرحمن يـده على فمه ، وأجاب بصوت مماثل .. فظهر على أثر ذلك من بين الأجمـة .. رجلان مسلحان وحافيي الأقـدام .. وعند اقترابهما منا قال أحدهما : ( في سبيل اللـه ) .. فأجابه عبد الرحمن : ( لا حول ولا قوة إلا به ) .. وقـد كان ذاك على ما يبدو ، نوعا من كلمات السر المتعارف عليها.
كان الرجلان يرتديان جردين باليين .. كتلك التي يلفها بدو ليبيا حول أجسادهم .. وقد عرف أحدهما – على ما يبدو - عبد الرحمن .. فسلم عليه بكلتا يديه وحياه بحرارة .. وقدمني عبد الرحمن إلى المجاهدين .. فصافحنني بحرارة ، ممسكا كل منهما يدي بين يديـه .. وقال أحدهمـا : ( اللـه معـك .. سيـدي عمـر قـادم ) .
وقفنا بعد ذلك منصتين ، وبعد ما يقرب من عشر دقائق .. ومرة أخرى تناهت أسماعنا من داخل الغابة أصوات أشجار العرعر .. ظهر على أثرها من بين الظلال ، ثلاثة رجال من جهات مختلفة .. وفيما كانت بنادقهم مصوبة باتجاهنا .. شرعوا يقتربون منا شيئا فشيئا .
وبعد أن تأكدوا أننا بالفعل من كانوا في انتظارهم .. عادوا أدراجهم حالا واختفوا بين الأشجار ، في اتجاهات مختلفة أيضا .. لقد كانوا في الواقع يقومون بحراسة جيدة لزعيمهم ، وتأمين سبل الحماية اللازمة له .

وجاء عمر المختار


وأخيرا وعلى جواد صغير ، لفت حوافره بالقماش جاء عمر المختار .. يحرسه رجلان واحد عن يمنه وآخر عن شماله ويتبعه عدة رجال آخرين .. وعندما وصل إلى الصخور التي كنا ننتظره عندها .. ترجل من على جواده بمساعدة أحد رجاله .. وقد لاحظت أنه يتحرك بصعوبة بالغة .. علمـت بعد ذلك أنه قد جرح - منذ عشرة أيام - في إحدى المناوشات .
وعلى ضوء القمر الساطع .. رأيتـه الآن بوضوح تام .. كان رجلا قوي البنية معتدل القامة .. ذا لحية قصيرة ناصعة البياض كأنها الثلج .. تحيط بوجهه المتجهم أخاديد عميقة .. ذا عينين غائرتين تحيط بهما التجاعيد .. يدرك الناظر إليهما .. أنهما كانتا - في ظروف أخرى - ضاحكتين مشرقتين .. أما الآن فليس ثمة غير الظلمة والمعاناة والشجاعة أيضا .
وحينما اقتربت منه ، ومددت له يدي مسلما ومحييا .. شعرت بقوة ضغط يده وهو يقول :
ــ مرحبـا بـك .. يا بنـي .
وفيما كان يخاطبني كانت نظراته تتفحصني جيدا .. إنها في الواقع نظرات رجل ، كان الخطر ولا يزال قوته اليومي .
وسقطت الكفرة
فرش أحد رجاله بطانية على الأرض .. وبتثاقل شديد جلس سيدي عمر .. فانحنى عبد الرحمن وقبل يده .. وبعد أن أخذ أذنا من القائد شرع يوقد نارا صغيرة تحت الصخرة التي كنا نحتمي بها .. وعلى ضوئها الخافت قرأ سيدي عمر كتاب السيد أحمد الذي بعثه معي .. قرأه بعناية شديدة ، ثم طواه ووضعه فوق رأسه لبرهة من الوقت .. وهذه علامة تدل على الاحترام والولاء الشديدين .. ولا يمكن للمرء رؤيتها في جزيرة العرب .. ولكنه هنا في شمال أفريقيا كثيرا ما يرى ذلك .
بعد ذلك التفت إلي مبتسما وهـو يقـول : أشاد بك السيد أحمد – أطال الله في عمره – وامتدحك في رسالته بكلمات طيبـة .. أنت إذن جاهز لمساعدتنا .. ولكنني لا أعلم من أين ستأتي المساعدة - إلا من الله العلي القدير - لا شك أننا عن قريب سنصل إلى أجلنا المقدر لنا .
فقلـت له : ألا يمكن أن تكون هذه الخطة التي أعدها السيد أحمد وأشرف عليها بنفسه ، بداية جديدة لكم .. إذا تمكنتم من الحصول على المؤن والذخائر من الكفرة بشكل مستمر ودائم .. وأصبحت الكفرة قاعدة لعملياتكم في المستقبل .. ألا يمكنكم حينئذ التغلب على الطليان .. ؟
لم يسبق لي أن رأيت ابتسامة تدل على قدر كبير من المرارة .. كابتسامة سيدي عمر وهو يرد على تساؤلي ذاك بقوله : الكفرة .. خسرنا الكفرة .. احتلها الإيطاليون منذ أسبوعين تقريبا .
أذهلني جوابه ذاك .. فقد كنت والسيد أحمد خلال الأشهر الماضية .. نبني خططنا على افتراض أن الكفرة .. يمكن أن تكون نقطة تجميع لمقاومة مكثفة وقوية .
وبخسارة الكفرة لم يبق أمام المجاهدين ، سوى هضبة الجبل الأخضر الوعرة .. لا شئ أمامهم سوى أنياب الاحتلال الإيطالي التي تطبق عليهم بإحكام وإصرار .. ضياع نقطة بعد أخرى .. اختناق بطئ ولكنه مستمر لا يعرف التوقف .
وسألتـه : - كيف سقطت الكفرة .. ؟
وبإيمـاءة متعبة ، أشار سيـدي عمر إلى أحد رجاله بأن يقترب ثم قال لي : - سيقص عليك هذا الرجل ما حدث .. إنه أحد الناجين القلائل الذين هربوا من الكفرة .. ولم يصل إلينا إلا بالأمس .
خيارات الموضوع : ارسل الموضوع لصديق ارسل الموضوع لصديق  طباعة الموضوع طباعة الموضوع  حفظ الموضوع كملف Word حفظ الموضوع كملف Word 

التعليقات
لا يـوجـد تـعليـقات على هـذا الـموضوع




POWERED BY: SaphpLesson 4.0