
| أضيف في: 09/06/2009 | ||||
|---|---|---|---|---|
قد تتحول ذخائر فكرنا العربي إلى كم مهمل، لا يقدر بثمن ولا يباع ولا يشترى. إذا لم تجد من ينفض عنها غبار الأيام وركام السنين، ويبديها لنا بثوب جديد، غير ذاك الذي نالت الأيام منه والسنون . هي تماما كالتبر وسائر المعادن الثمينة، المدفونة في التراب. لا يحفل الناس بوجودها. إذا لم ننقب عنها ونبذل جهدا مضنيا وشاقا، من أجل أن نظهرها لهم براقة لامعة، تخطف الأبصار والعقول معا . مـن هنا – ورغم اختلاف الهدف – تبدو مهمة المحققين ، شديدة الشبه بمهمة أصحاب المناجم .. فكلا الفريقين بطبيعة الحال يسعيان للتنقيب عـن كنز ثمين ، ويبذلان جهدا خارقا للعادة في سبيل الحصول عليه. ومن ثم إزاحة التراب وما علق به من شوائب وأدران. لعرضه في نهاية المطاف على الناس، بالقدر الذي ينال إعجاب إعجابهم. وذلك بالطبع يتطلب جهدا متواصلا، واقتدارا متميزا على عرض الذهب في أسواق الذهب. هذا مع مراعاة ذلك الاختلاف الجوهري بين المهمتين . فإذا كانت مهمة أصحاب المناجم ومصانع الذهب والمجوهرات. لأجل ملء جيوبنا وخزائننا، بالأموال والمجوهرات والقلائد والعقود والأحجار الثمينة. فإن همة المحققين ومهمتهم، لأجل إثراء عقولنا ومكتباتنا بالأفكار والمعلومات والعلوم المفيدة . وإذا كان من المنجمين ثمة من يستخرج - في نهاية المطاف - الفحم والتراب. فإن من المحققين أيضا من يعود من تطوافه المضني في مجاهل الماضي وأحقاب التاريخ، ليبيع الخرز في سوق المجوهرات ، وخواتم الحديد في سوق الذهب والأحجار الكريمة . وأنا وللأســف –ومنذ سنوات خـلت – كنت واحدا مـن هؤلاء ، الذين اكتشفوا ذلك بعـد فوات الأوان. وأدركوا من باب الحقيقة والواقع، أن ليس كل صقيل ذهبا، ولا كل حجر كريما، ولا كل مخطوط نفيس . لكنني وإن عدت من الماضي بخرزة لا تباع ولا تشترى. فإن عزائي الوحيد أنها خرزة وطنية. ولذا فهي بالطبع لا تقدر بثمن، في بلد لا يمتلك جواهر فكرية يعول عليها. وتجارته في هذا المجال بالذات ، تعتمد على خرز من هذا النوع الذي أشرت إليه . هذا أمر محير ومؤسف في آن معا .. ترابنا هذا الغني بموارده الطبيعية ، لماذا لم يكن في يوم من الأيام غنيا بموارده الفكرية والأدبية . الأفكار وحدها لا تباع ولا تشترى. لأنها بطبيعتها لا تقدر بثمن. ومهما امتلكنا نحن من كنوز الأرض ، فليس ثمة ما يغنينا عن كنوز السماء . فإلى متى نظل نقتات من موائد الآخرين ..؟ إلى متى ستطول قناعتنا بالفتات والقشور، مما يجود به أصحاب الجود ، ودون أن يكون لنا الحق في الجلوس ، مع ضيوف الشرف والمدعوين إلى موائد العلم والعلماء .. أعني في مجالي الأدب والفن بالذات . أنا لا أدعو إلى الانفصال الفكري ولا إلى غيره ، مما قد يتبادر إلى أذهانكم .. وهؤلاء الآخرون هم إخواننا ، الذين لا يجوز لنا أن ننفصل عنهم بأي حال من الأحوال . ولكن ألا يحق لنا أن نشاركهم ، شرف العلم وشرف المجد والتاريخ المشرف ..؟ ألا يحق لنا مشاركتهم ما يبنون من صروح العلم وقصور المعرفة ، بدل أن نظل هكذا نحرص ما يملكون ، ونردد ما يقولون .. ونستورد ونقرأ ما ينشرون . لماذا لم يكتب خير الدين الزركلي ، صاحب كتاب : الأعلام ، عن أي علم من أعلام الأدب واللغة في بلادنا ، لماذا لم يكتب عنا بجوار: السيوطي والآنباري والبصري والدمياطي والكوفي والشنقيطي وحتى الدمنهوري والغزاوي .. وغيرهم من أعلام الشعر والأدب واللغة ، وحتى الغناء والموسيقى ..ممن تتسع لهم معاجم الأعلام والبلدان ، ولا تتسع لعالم واحد من بلادنا .. كي نطالعه ونحسه ونراه .. ونسعد ونفرح من كل قلوبنا عندما يختتم الحديث عنه بهذه العبارة المحببة : وكان ليبيا يرحمه الله . 1 هذه مكانة لها وزنها في حساب التاريخ والشعوب ، لكنها لا توهب بطبيعة الحال ، إلا لمن يستحق .. ولا توجد إلا عند من يجد القدرة على إيجادها في نفسه .. وبراميل النفط لا يعول عليها في هذا المجال . والآن هل عقدنا العزم ، على أن نبحث عن الكنز هنا .. في تراب هذا الوطن ، في شبابنا الصاعــد ، في أطفال مدارسنا الصغار ..؟ فعلى أقل تقدير في حساب الأرباح .. خير لنا أن نعلق على صدورنا قلائد من نحاسنا نحن ، وفي رقابنا عقود خرز من تراب هذا الوطن ، وفي عمامة كل شيخ من شيوخ قبائلنا ، ريشة من نعام نعامنا ..أن نفعل ذلك ، كل ذلك أجدى وأنفع من أن نظل هكذا .. بلا عقود .. بلا قلائد .. وبلا وجود يذكر. هامش : ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 1. نشر بمجلة " لا " سنة : 96 . 2. لا أنكر أننا نمتلك بعض القامات الفكرية التي نعتز بها في مجال الأدب ، إلا أننا – بطبيعة الحال – لم نصل بعد إلى مستوى الثراء الفكري الذي نتطلع إليه ، ولن يتحقق لنا ذلك في القريب المنظور، طالما بقيت جمعياتنا الاستهلاكية في مقدمة سلم أولويتنا الذي شطبت منه تماما ، المراكز الثقافية في مدننا وقرانا ومدارسنا أيضا .. فهل بالمكرونة وحدها تبنى الأجيال. |
||||
|
خيارات الموضوع : |
||||
التعليقات
|
||
|---|---|---|
|
||
|
|
![]() ![]() |