
| أضيف في: 09/06/2009 | ||||
|---|---|---|---|---|
" أقدم هذه الأسطر إلى روح العم صالح الذي غادر دنيانا ناقما على أمانة المواصلات " ــــــــــــــ انتقل العم صالح إلى جوار ربه .. غادر دنيانا إلى هناك وقلبه مفعم بالمرارة والألم والحزن الشديد .. كان قد استدعاني قبل وفاته بأشهر معدودة .. وعرض علي مشكلته التي لم يجد لها حلا .. وطلب مني وقتها .. أن أكتب عنها في إحدى الصحف .. عل أحدا يطالعها فيساعده على حلها .. أو حتى يشاركه – على أقل تقدير – حزنه وألمه بها .. لكن مشاغل الحياة حالت دون تحقيق رغبته في نشرها وهو على قيد الحياة .. وها أنذا اليوم – بعدما تركنا العم صالح ومضى إلى ربه – ها أنا أعرضها عليكم وباختصار شديد .. تحقيقا لرغبته وانتصارا للضعفاء رغم كل الظروف . بدأ العم صالح بسرد مشكلته فقال : سعت جمعية الكفيف مشكورة، ببذل مساعيها الحميدة لدى جهات الاختصاص، وذلك بغية توفير هواتف لمجموعة منا، وقد كللت جهودها بالنجاح، وتحقق حلمي في الحصول على هاتف. كانت فرحتنا كبيرة بتلك الهواتف، التي كانت بالنسبة لنا كالأرجل بالنسبة للمبصرين، نستعين بها على قضاء حوائجنا، ونلجأ إليها في أفراحنا وأتراحنا، في مناسباتنا وأعيادنا. فإذا كان الهاتف من الكماليات بالنسبة للمبصرين، فإنه بالنسبة لنا معشر المكفوفين، ضرورة من ضرورات الحياة، بل إنني أعتبره كالإبن والأخ والصديق سواء بسواء، إذا مرض أحد أفراد أسرتي في ساعة من ساعات الليل أو النهار لجأت إليه، أطلب منه العون والمساعدة، وإذا اضطررت للخروج لأمر ما من أمور الحياة هرعت إليه، وإذا أردت التحدث مع صديق أو قريب لمناسبة من المناسبات أو لحاجة في نفسي، لا يكلفني ذلك أكثر من دقائق معدودة. وبعد أن استرسل العم صالح في سرد فوائد الهاتف ومنافعه التي لا تخفى عليكم بطبيعة الحال، تنهد ثم قال: لكن ووسط فرحتنا الغامرة بوحيدنا الهاتف، وذات يوم من أيام الله، توقف هاتفنا عن العمل، تحسسناه بأيدينا، بكل أصابعنا، أدرنا قرصه لمرات ومرات، نادينا بملء أفواهنا : ( ألو .. ألو .. ألـو ) لكن لا حياة لمن تنادي. جلسنا في دارنا ذلك اليوم واجمين منكسي الرؤوس، حزنا على ( وحدينا الهاتف ) أعني هاتفنا الوحيد . سكت قليلا، وبكلمات تقطر مرارة وألما، شرع يقول : وفي اليوم التالي استعنت بمن أوصلني إلى مصلحة البريد والهاتف، وتكررت بعد ذلك زياراتي لهم مرات ومرات، ولكن بدون جدوى، أجد في كل مرة من أستعين به في الوصول إلى هناك، وأستعين بالمارة وعابري السبيل في مرات أخرى، تارة استقل سيارة أجرة، وتارة أخرى لا أجد فلسا واحدا، فأستعين بفاعلي الخير، وفي كل مرة أجد لديهم عذرا جاهزا. ومضت الأيام، وتبعتها الشهور مسرعة، وكنت خلالها قد تعبت من التردد بلا جدوى على جهات الاختصاص، وتعبت أيضا من تسلق سلالم مصلحة البريد والهاتف بلا جدوى وبلا رفيق في أحيان كثيرة، فكان أن جلست في داري، مسلما الأمر لله. وذات يوم من أيام الله المباركة الطيبة، زارني أحد الأصدقاء، وسررت بزيارته تلك أيما سرور، تناولنا خلالها أحوال إخواننا المكفوفين، وأخبار جمعية الكفيف، لكنه وأثناء حديثنا الشائق الممتع، وبلا مقدمات، نظر إلي متحسسا ومتسائلا : - هل تنازلت عن هاتفك .. ؟ - لا .. لماذا السؤال .. ؟ - حاولت الاتصال بك مرارا .. ولكن .. - ولكن ماذا .. أكمل . وأكمل الصديق كلامه، وليته لم يكمل كلامه، تلك الليلة لم أهنأ بنومي، كبقية البشر من شدة الغضب، والحزن الشديد. في اليوم التالي ذهبت إلى أحد الأصدقاء، وأدرت قرص هاتفه، وطلبت منزلي .. لأول مرة في حياتي أطلب منزلي، ونادرا ما يطلب المكفوف منزله، وما أصعب أن يطلب المكفوف منزله : - ألـو .. السلام عليكم . - تفضل .. ( شن تبي ( - هل هذا منزل صالح ألـ ..... ؟ - لا .. الرقم غلط . - اسمع .. يا أخ .. أنا صاحب هذا الهاتف .. أنا صالح ألـ ..... - أنا الضابط " فلان بن علان " ( عدي اشكي وين ما يعجبك ) لكن لا تحاول إزعاجي مرة أخـرى . وانتهت المكالمة عند هذا الحد، قال العم صالح يرحمه الله. فقلت له: وهل اشتكيت .. ؟ فأجابني بمرارة: - ولمن أشكو .. الشكوى لغير الله مذلة .. ( أو يا ريت فيها فايده ) . - صدقت يا عم صالح .. الشكوى لغير الله مذلة . وانتهت جلستنا أيضا عند هذا الحد، وعدت إلى بيتي مهموما حزينا، أردد قول شاعرنا الكبير محمد الشلطامي : وليس من يطالها .. إلا الذي يخلع في حذائه .. ضميره أنه قد ذهب إلى ربه ليقدم شكواه هناك. |
||||
|
خيارات الموضوع : |
||||
التعليقات
|
||
|---|---|---|
|
||
|
|
![]() ![]() |